تقدّم القائمة القصيرة لجائزة بوكر الدولية لهذا العام مجموعةً متنوعةً وآسرة من الكتب، تكشف جميعها عن الخيال الخلّاق والابتكار اللافت لدى مؤلفيها —ومترجميها بالطبع-. تدعو الروايات القرّاء إلى الانغماس فى ستّ حكايات ثرية بالسرد، تمتد من بلغاريا إلى البرازيل، مرورًا بمحطات عديدة فى ما بينهما. نلتقى عبر الروايات الستّ، بحكايات عن راوٍ غير موثوق فى عمل ميتاسردى، وساحرة معاصرة أخفقت فى سحرها، وعائلة من المهاجرين الإيرانيين، ومخرج أفلام تواطأ مع النازيين، وسجّان شديد القسوة، وشخصية عابرة للجنس تحاول إنقاذ ذاتها عبر تغيير هيئتها.
أشادت رئيسة لجنة التحكيم، ناتاشا براون، بالقائمة القصيرة، وصرّحت: «تتردد أصداء التاريخ فى هذه الأعمال التى تلتقط لحظات متفرقة من القرن الماضى. ورغم ما تنطوى عليه هذه القصص من انكسار ووحشية وعزلة، فإن أثرها الباقى حتى ما بعد القراءة يظل ملهمًا.»
وهنا، مراجعات قصيرة لعناوين القائمة القصيرة لعام 2026.
رحلة إلى تايوان» يانج شوانج-زى، ترجمة لين كينج
إن كونفيرسيشن
تدور أحداث هذه الرواية البديعة متعددة الطبقات فى تايوان خلال ثلاثينيات القرن العشرين، إبّان الحكم الاستعمارى اليابانى، فى حكاية عن الكاتبة اليابانية أوياما تشيزوكو ومترجمتها التايوانية أونج تشيان-هو، عبر عالم تتداخل فيه العاطفة بالطعام والذاكرة، وتتناثر فيه إشارات مقصودة تشبه فتات الخبز على الطريق؛ تفاصيل لا يتكشف معناها الكامل إلا عند الانتهاء من الرواية والعودة إليها مرة أخرى. تتميّز «رحلة إلى تايوان» ببنية سردية جريئة وهادئة فى آنٍ واحد. إذ تؤطّر يانج السرد عبر شخصية مؤلفة متخيَّلة، ومترجمة متخيَّلة، وما يحيط بتواصلهما من صمت، بحيث لا يعود الراوى غير الموثوق مجرد وسيلة سردية، بل يصبح تساؤلًا عميقًا يتعلق بمن يعتدّ بمعرفته الكاملة ومن تعطّله آثار علمه القاصر.
غير أن ما يجعل الكتاب آسرًا معالجته للعلاقة الحميمة بين المرأتين. إذ يتسرّب تيارًا خفيًا من السرد بين الفقرات راويًا عن المثلية عبر تفاصيل الوجبات المشتركة والجمل المبتورة، وعبرها تمرّر يانج أكثر أسئلتها عمقًا بشأن الرغبة، والصداقة، والاستحقاق الاستعمارى، إلى نسيج الحياة اليومية.
«هى التى تبقى» لرينيه كاراباش، ترجمة إيزيدورا أنجيل
إيفا تشيوك ين لى
تنطلق رواية «هى التى تبقى» فى رحلة محمومة عبر جرح عابر للأجيال يمتد لقرون، وقد بلغ الآن نقطة غليانه: مواجهة أخيرة بين الصمت والشهادة، والتقاليد والتغيير، والحقيقة والأكاذيب، والحياة والموت. تُروى الرواية من منظور مبتكر يتعذّر توصيفه بالكلمات، وتدور حول بكيجا، امرأة فى الثالثة والثلاثين، تعيش تجربة التحوّل الجنسى، وتنتمى إلى مجتمع ألبانى آخذ فى التلاشى، تحكمه قوانين «ليكه دوكاجيني» العنيفة. فى مكان تُعامل فيه النساء كسلعة، ويصبح الطريق الوحيد إلى الحرية مرهونًا بالاستعداد للقتل والموت، تهرب بكيجا من مصير الزواج القسرى لتصبح آخر «عذراء محلفة» وفقًا للقانون، منتقلة اجتماعيًا من الأنثى إلى الذكر.
رواية مشبعة بكثافة شعرية آسرة، نقلتها ترجمة إيزيدورا أنجل ببراعة مذهلة، حيث تبدو «هى التى تبقى» كما رقصة درويش حالمة. فالخطوط الزمنية تتشظى باستمرار، والبقاء على قيد الحياة ليس وعدًا مضمونًا، والخارجون على أنظمة الجندر يواجهون خيارًا مستحيلًا: إما كسر دائرة العنف الممتدة لقرون، أو الفناء كما هبّة من رماد يتطاير بعد المعركة.
«الساحرة» لمارى ندياى، ترجمة جوردان ستامب
بوريانا ألكساندروفا
رواية قصيرة غامضة ومحيرة تدور حول لوسى، الساحرة محدودة الموهبة. وفيما تحاول لوسى نقل سحرها وخبراته إلى ابنتيها، قد يتوقع القرّاء حكاية عن التمكين النسوى. لكن الأسرة التى ظنت لوسى أنها تعرفها تتبدد من حولها، كما تخذلها قواها حين يهجرها زوجها وينفصل والداها. تحكى ندياى عبر روايتها «الساحرة» قصة استجابتها لهذا التفكك.
حملت الرواية الاسم نفسه لكتاب تاريخى فرنسى شهير صدر عام 1862 عن هوس مطاردة الساحرات، ألّفه جول ميشليه. لكن بدلًا من ساحرات ميشليه القويات اللواتى تحدّين النظام الأبوى فى العصور الوسطى، تعيش لوسى فى عالم حديث كئيب، مثقل بالانقسام وخيبة الأمل، ولهذا تبدو حكاية ندياى أقرب إلى الواقع منها إلى السحر.
وإذا نظر للسحر فى القصة كما استعارة لقوة المرأة، فإن قصة لوسى، بوصفها ابنة وزوجة وأمًا، تصبح حكاية عن خيبة الأمل وصراع حول الفرص المهدرة. سردية غريبة، لكنها مثيرة للاهتمام.
«فوق الأرض كما فى باطنها» لآنا باولا مايا ترجمة بادما فيسواناثان
ماريون جيبسون
فى مستعمرة عقابية برازيلية نائية ومنسية، شُيّدت فوق تاريخ من العنف، يطلق مدير سجن سادى عملية صيد شهرية قاتلة للسجناء خلال الأيام الأخيرة من مدّة العقوبة. يستحيل قراءة «فوق الأرض كما فى باطنها» دون أن تستدعى إلى الذاكرة رواية كافكا «فى مستعمرة العقاب»، لا بسبب تشابه المكان حيث تدور الأحداث، وإنما أيضًا بسبب ذلك الشعور المقلق الذى يغلّف القارئ، حتى يكاد يجعله شخصية داخل هذا السرد الوحشي.
تنجح مايا فى التقاط عبثية وعنف بيئة معسكرات الاعتقال، حيث تُعدّ العلاقة بين السكون والرعب عنصرًا بالغ الأهمية. فعدد السجناء قليل، ولا يراقبهم سوى حارس واحد. غير أن ما يجعل هذا السجن مستحيلًا على الهروب هو نزع الإنسانية عن الجميع — السجناء، والحارس، ومدير السجن. فجميعهم، بطريقة أو بأخرى، منسيون من المجتمع، كما لو أنهم موتى.
ولا تترك الرواية مجالًا للشك فى تذكيرنا بمدى التجرّد من الإنسانية الذى يحدث «على الأرض كما هى فى باطنها".
«ليالى طهران الهادئة» للكاتبة شيدا بازيار ترجمة روث مارتن
فينيسيوس دى كارفاليو
رواية مؤثرة وهادئة وعميقة الطرح عن تجربة عائلة واحدة مع الثورة والمنفى والذاكرة والأمل الذى يبقى فى قلوب أصحابه عنيدًا لا يتزحزح. تبدأ «ليالى طهران هادئة» بعد الثورة الإيرانية عام 1979، وتمتد عبر أربعة عقود حتى عام 2009، والحياة التى أُعيد بناؤها بعد الهجرة فى ألمانيا. تُروى الفصول الأربعة بضمير المتكلم وعلى فواصل زمنية تمتد لعشر سنوات. تبدأ الرواية عام 1979 مع بهزاد، الأب الإيرانى اليسارى الناشط، ثم تنتقل إلى ألمانيا عبر نهيد، الأم المهووسة بالأدب والتى تمثّل المرساة العاطفية للعائلة. ويتابع القسم الثالث لاله، الابنة الكبرى، خلال زيارة عائلية كاشفة إلى إيران عام 1999. أما القسم الرابع، فيتمحور حول عام 2009، حين يكون الابن مو منفصلًا عن السياسة، إلى أن تنفجر «الحركة الخضراء» الإيرانية على شاشات التلفاز العالمية.
ويمنح هذا البناء الرواية طابع الألبوم العائلي: حميمى، وغير مكتمل، ومشحون بالتاريخ، بينما تسمح الأصوات المتبدلة لكل جيل بأن يتحدث انطلاقًا من جرحه الخاص. وتمتاز ترجمة روث مارتن بالوضوح والرهافة، محافظةً على تنوع الأصوات ودقة الأحاسيس التى تنبض بها الرواية.
رواية «المخرج» لدانيال كيلهرمان ترجمة روس بنجامين
نرجس فرزاد
رواية تاريخية محكمة البناء لأحد أبرز الكتّاب الألمان المعاصرين، تتبع «المخرج» سيرة دبليو. جى. بابست إبان عودته إلى ألمانيا النازية بعد تجربة غير موفقة فى هوليوود، وبعد أن كان يومًا أحد أعمدة سينما فايمار، بات يُتوقع منه الآن إنتاج أفلام تعزز الروح المعنوية للأمة خلال زمن الحرب. أما العنوان الألمانى «Lichtspiel» – الاسم الأصلى للرواية بالألمانية، فهو مصطلح مبكر يُطلق على فن السينما — ويعنى حرفيًا «لعبة الضوء". تحكى الرواية باستعارة عن الأوهام المتعمدة التى نسجها أمثال بابست ليقنعوا أنفسهم بأن فنهم يمكن، بل ينبغى، أن يستمر تحت الحكم النازى. يبحث دانيال كيلمان عن إجابة لهذا السؤال بأسلوبه السردى الآسر المعتاد، مصحوبًا بلمسة سينمائية واضحة.
وتنجح ترجمة روس بنجامين ببراعة فى التمييز بين الأصوات العديدة فى الرواية، بما فى ذلك صوت زوجة بابست وابنه ومساعده، الذين تؤطر ذكرياتهم المرتبكة والمكبوتة جزئيًا عن العمل على فيلمه الحربى الأخير أحداث الرواية.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







