هند جعفر
يظن من يقرأ الرباعيات أن كاتبها شيخ عركته الحياة وأنهكته التجارب، فبات صاحب بصيرة ثاقبة، ولكن الحقيقة أن جاهين بدأ فى كتابتها قبل بلوغه الثلاثين، وكأنه حظى بحكمة مبكرة؛ حكمة رافقتها حساسية شديدة أفضت لموت مبكر فى الخامسة والخمسين، وتمثل رباعيات جاهين فى رأى كثير من النقاد قمة إنتاجه الشعري، إذ تعكس بصيرة وطرحًا وجوديًا عميقًا يتجلى فى صورة رغبات ومخاوف وتساؤلات وتناقضات يضمها قالب شعرى يتسم بالتكثيف الشديد، ولحسن الحظ جاء الفيلم - الذى يعد أول تجربة روائية طويلة لمخرجته - مبشرًا للغاية، ومعلنًا عن اسم قادم بقوة حرى أن تُعقَد عليه الآمال طالما يتمتع بهذه الموهبة فى الكتابة والإخراج.
والقارئ للفيلم، عليه تدبر الرباعية جيدًا:
دخل الربيع يضحك لقانى حزين
نده الربيع على اسمى لم قلت مين
حط الربيع أزهاره جنبى وراح
وإيش تعمل الأزهار للميتين؟
وعجبي!
دخل الربيع على صديقنا وجده حزينًا، وحتى يسعده قام بالنداء عليه ولكن صاحبنا المتمادى فى حزنه لم يجب، فقام الربيع بمبادرة حسنة النية لعله يُفرحه؛ وضع الزهور بجواره وذهب بعيدًا، والطبيعى هنا أن يتأمل صاحبنا الزهور ويبتهج لمرآها، ولكنه عوضًا عن هذا يسألنا سؤالا استنكاريًا غرضه التعجب من فعل بلا جدوى؛ ما نفع الزهور لمن مات؟!
والرباعية ماكرة تحمل دومًا بين طياتها مفارقة ما، ولذا جاء الفيلم ماكرًا هو الآخر، فالربيع فى مصر يدخل فى البداية ضاحكا بالفعل، ولكنه لا يتوانى عن الإتيان بحركة جانبية تسفر عن وجه قاس يحمل الأتربة والأمراض والتقلبات الجوية، وهو ما حدث فى الأربع قصص التى تناولها الفيلم والتى جرت فى شهور الربيع مارس وإبريل ومايو ويونيو؛ تمهد نهى لشخصياتها ما يمكن اعتبارها عتبة وئيدة تبعث على الراحة، ثم تأخذ بأيديهم وأيدينا لنصعد معهم خطوة بخطوة سُلمها الرباعى حتى تصل الأمور لذروتها ونفاجئ بمساحة واسعة تملأها التناقضات وتلسع فيها الرياح الترابية وجه الجميع، قبل أن يأتى المشهد الختامى حاملا هدنة وليس حلا لما بدأ كملهاة وانتهى كمأساة.
جلسة صديقات تجمعن للاحتفاء بعيد ميلاد إحداهن انتهت بتبادل إهانات مُرة، وأخرى لنساء يتجملن أختتمت بحادث سرقة وتخوين لكل الحاضرات، وثالثة لجيران عُمر تحولت لمحاكمة تبادل فيها الأبناء السب والقذف والاتهامات، ورابعة ضمت محتفلات بعرس شابة صغيرة انتهت بإفساد فرحتها؛ فكل ما أطل علينا فى البداية كمعنى جميل أخفى وراءه عفونة شديدة سمَّمت واقع الشخصيات تمامًا، كالربيع يبدو مشرقًا، ولكنه يحمل ألمًا وشوكًا وغبارًا يؤذى الأعين ويخنق الصدور.
أبطال نهى أيضًا يعانون هشاشة تشبه كثيرًا هشاشة بطل الرباعية، مهمومون وإن أبدوا عكس ذلك؛ مختار وسلوى يعانيان هشاشة الكبر فيما يعانى أولادهما من الفشل فى علاقاتهما الزوجية، وزازو التى تبدو كالطير الجارح مخذولة عاطفيًا، وعبير الكوافيرة تعانى من رقة الحال وتسلط الزبائن، أما لى لى فنكتشف أنها ضحية لجميع من حولها؛ أم متسلطة، وحبيب قديم تخلى عنها، وصديقة تحاول خطف زوجها المستقبلي، وصديقة أخرى أفسدت لها ليلة زفافها.
ولأنها تجربة المفارقات يأتى الخريف فى فيلم نهى عادل ليصحح الأوضاع؛ فالخريف المرتبط فى الذهنية العامة بالذبول وسقوط الأوراق يشهد على البدايات الجديدة؛ تعود فيه المياه إلى مجاريها بين سلوى ومختار، وتعبق المعادى بشذا الياسمين الهندي؛ رائحة تتسلل إليك عوضًا عن أخرى بدت فاقدة لعبيرها رغم هيمنة الربيع، حاولت زازو استنشاقها عبثا من وردة حمراء زينت جلستها مع صديقاتها.
رأى يحيى حقى أن البيت الرابع فى الرباعية هو دقة المطرقة الأخيرة على السندان؛ ولحسن الحظ لم تلتزم نهى بهذا المسار فى بناءها الدرامي؛ فحذفت مشهدًا أخيرًا يعطى لمحة عن مصير الأبطال، واكتفت بقصة سلوى ومختار للتدليل على مصير بقية الخطوط الدرامية؛ فالحياة مستمرة رغم كل شىء، ولا حاجة لوضع نقطة أخيرة طالما يحتمل النص فصولا أخرى.
يحتفى الفيلم بنهار القاهرة، قاهرة تبدو أقل ازدحامًا وأكثر جمالًا، توجه نهى تحياتها إلى جاهين وسعاد حسنى وليلى مراد وعبد الحليم وفريد ووردة وصباح وشادية، إلى أحياء المعادى وأزهارها وقططها، غاب القُبح عن الفيلم حتى فى قصة عبير التى تعانى شظفًا عاطفيًا وماديًا فجاءت المشاهد واقعية بلا دمامة، أحبت نهى كل عناصر فيلمها، فأخرجت كل الجمال الممكن فيهم.
اعتمدت نهى عادل فى فيلمها على ممثلين لم يسبق لأغلبهم التمثيل من قبل، وقد نجحت فى رهانها فجاء آداؤهم جميعًا مذهل، وأخص بالذكر رحاب عنان التى انتقلت فى دقائق بين أكثر من شعور درامى بدأته بسيطرة وتسلط، ثم توتر وترقب، لتختم بانهيار تام وندم عميق وكانت مقنعة للغاية فى جميع حالاتها، تميز أيضًا مختار يونس، وسالى عبده، وشادى حكيم، ومنى النموري، وكارول عقاد، وريم العقاد، وروكا ياسر، ولم يكن أداء ممثلين غير محترفين ليخرج بهذه القوة لولا وجود مخرجة تُجيد توجيه ممثليها.
كل ما يخص هذا الفيلم يستحق الوقوف أمامه طويلًا. نجح الفيلم فنيًا وجماهيريًا، تكدس الجمهور أمام السينما لمشاهدته حين عُرض فى زاوية، ثم حين عُرض على إحدى المنصات قفز إلى المركز الأول فى المشاهدات متفوقًا على أعمال أخرى لنجوم أصحاب جماهيرية عريضة، وهو ما يعكس تعطشا جماهيريًا لهذه التجارب الفنية الصادقة، تجارب تحمل رؤية بصرية ودرامية مميزة يغلفها صدق حقيقى بعيد كل البعد عن الادعاء. نحتاج إلى منتجين شجعان يغامرون بتقديم هذه النوعية من الأفلام، كما أن منصات المشاهدة مطالبة بدعمها. تحية واجبة إلى كوثر يونس وأحمد يوسف منتجى الفيلم، أما التحية الأكبر فإلى نهى عادل صاحبة تلك الذائقة الأدبية والسينمائية.
كفه عليها... وبين الاسمين تتفرد تلك المنطقة بسحرها الخاص؛ حيث تمتزج الروحانية بجمال
من مدرجات الجامعة إلى فضاء الثقافة والصحافة:
من مدرجات الجامعة إلى فضاء الثقافة والصحافة: رحلة التكوين والانتماء







