طوفان سعادة

طوفان سعادة
طوفان سعادة


د. ناصر أحمد إبراهيم
لم تكن جدران المكتبة صامتة، بل كانت تثرثر بغبار السنين. رائحة الورق العتيق ليست مجرد عطرٍ للماضى، بل هى أدخنة الزمن المتآكل فى الزوايا، وصمتٌ يربض فوق الرفوف كحارس مقبرةٍ يخشى أن يستيقظ الموتى. بدت رائحة الورق الزنخة فى خزانة الكتب تطارد أنفاس «سعادة» كأنها «احتلالٌ حسى» يغتصب فضاء البيت. رأت فى كل مجلدٍ من مؤلفاته «سُلطةً» غاشمة تسرق من عيالها لقمة الحنان ليطعمها لهامشٍ فى تاريخٍ ميت. وسط هذا الملكوت الورقى، غرق «سليم» فى كرسيّه الوثير، يمسح نظارته بخرقةٍ بالية ويدٍ مرتعشة؛ يحدق فى زجاجها السميك فلا يرى حروفاً، بل يرى حطام عمره يتناثر فوق العدسات.
على الجانبِ الآخر، كانت «سعادة» تخوضُ معركتَها مع الكرسى الهزاز، ذلك «العجوز الخشبى» الذى نخرت السنينُ فى أطرافهِ كما نخرت فى نضارتها. لم يكن صريرُ الخشبِ تحتها صوتاً عابراً، بل كان «احتجاجاً مكتوماً» ضدَّ جدرانٍ سدَّت عليها منافذَ الضوء. رمقته بنظرةٍ هى مزيجٌ عجيب من قهر الزوجة وجبروت الأم التى ترثى حال رعيّتها. حدثت نفسها بمرارة: «انظر إليه.. يتحصن خلف زجاجه وكأنه درعٌ يحميه من رؤيةِ ذبولى. يا سليم، لقد ابتلعتْ هذه الرفوفُ أعمارَنا فى جوفِها المظلم، وظننتَ واهماً أنك تبنى لنا بيتاً، بينما كنتَ تشيدُ لنا قبراً من حبر».
تسللت إلى خاطرها نتفةٌ من شتاءٍ بعيد: سليم يضمها، يهمس فى أذنها أغانى الصبا، ورائحة الياسمين تفوح من شعرها تحت بطانيةٍ رقيقة. كان دفء جسده كفيلاً بإذابة جليد الليالى، قبل أن يبتلعه بحر الكتب المالح. أغمضت عينيها لتطرد هذا الطيف اللحوح، واستأنفت وجعها: «يا ليتك كنتَ أقل ذكاءً وأكثر حضوراً. تركتَ «المعنى» فى المجلدات، ولم تقرأ الخوف المحفور فى تجاعيد يدى. فات الأوان؛ فالورق لا يمنح حضناً، والحروف لا تشبع جائعاً للحب».
شعر سليم بنظراتها تخترق زجاج نظارته كأنها صرخةٌ صامتة من أرشيفٍ مهمل. أحس بصمتها سوطاً يجلد تضحياته، وانطلق سؤال مرير كرصاصة أخيرة فى بندقية خربة:  أكنت أعبد ذاتى؟
لكنّ صمتها كان يصفعه بحقيقةٍ مرّة لا تقبل التأويل: «هذا هو الحصاد.. أرفف تزدحم بالحبر.. وحياة تفرغ من الأنفاس؟
توقف أزيز الكرسى فجأة. قامت سعادة بوقارٍ حزين، لم تصرخ، بل لمست ظهر الكرسى لمسة وداعٍ أخيرة. ضمت «نوحاً» و»نوراً» إلى صدرها كمن يجمع ثماراً بَقِيَت فى بستانٍ ضربتهُ الآفة. وقفت عند الباب للحظة، تنتظر صوتاً، رجاءً، أى شىء. لكن لم يأتِ إلا الصمت. رمقته بنظرةٍ أخيرة صرخت بكل كبرياء: «اخترتَ الخلود بين الورق، أما أنا فسأعبر للضفة الأخرى مع أطفالى؛ سآوى إلى حياةٍ حقيقية تعصمنى من طوفان وعودك الزائفة».
أغلقت «سعادة» الباب بهدوءٍ كان أشد من الانفجار. سقطت نظارة سليم من يده، لترتطم بالسجادة العجمية، ومعها سقطت كل الأقنعة. نظر حوله بذهول؛ الرفوف الشامخة بدت فجأة كقبورٍ مفتوحة، والكتب صارت حجارةً صماء تشهد على إفلاسه الإنسانى. صار صدى إغلاق الباب يمزق ستار الوهم فى صدره، وواجه ضميره العارى بسؤالٍ مرّ: «أى كتابٍ يا ابن الناس علّمك أن الحبرَ يغنى عن نبضِ قلبٍ يدقُّ مع أحبَّتك؟».
أدرك أن الندم ليس كلمات، بل جرحٌ ينزف الحقيقة: «العائلة هى اللغة الوحيدة التى لا تترجم». صرخ من أعماقه: «لقد خسرتُ كل شىء». تلاشت عناوين الكتب أمام عينيه كدخانٍ كاذب، وبقى عارياً إلا من خيبته. لم تكن هناك معجزة، ولا استيقاظٌ يمسح هذا الهوان الإنسانى.
جثا سليم على ركبتيه خلف الباب المغلق، يرتجف من صقيعٍ سرق منه «دفء الكانون» وأحضان الأحباب. حاول أن ينهض، أن يمد يده لمقبض الباب، لكن مفاصله الواهنة لم تسعفه حتى لم تعد تحمله. لم يستطع فتح الباب؛ فقد أغلقت «سعادة» خلفها باب الدنيا، وتركت له «محبس المخطوطات» ينادم فيه أشباحه.
ظل سليم قابعاً هناك، يحترق من داخله بنيرانٍ تقتاتُ ببطءٍ على مسوداته وتاريخه «المركون». لم يعد يسمع إلا حشرجة الكرسى الهزاز الفارغ فى الخارج، كأنه ندّابة خرساء تشيع جنازة الحقيقة فى هذا البيت.