Les Petits Chats قاهرة الستينيات تصنع صوتها الخاص

فرقة Les Petits Chats
فرقة Les Petits Chats


مع حلول فترة أواخر الستينيات، كانت القاهرة تعيش على وقع تحولات عميقة؛ مدينة تتجاذبها رياح التغيير السياسي والاجتماعي والثقافي، وشباب يبحث عن صوت يعبر عنه في خضم كل هذا الاضطراب.. فلم يكن المطرب الفرد وحده كافيًا لاستيعاب هذه الطاقة المتأججة، ولا الأغنية التقليدية وحدها قادرة على ملء الفراغ الذي شعر به جيل كامل.. وفي تلك اللحظة بالذات، ولدت فرقة Les Petits Chats، لتكتب فصلًا لافتًا في تاريخ الموسيقى المصرية الحديثة، وتترك إرثًا لا يزال حاضرًا حتى اليوم.

البداية.. القاهرة عام 1967 في فترة كانت فيها موجة الروك والبوب الغربية تتسلل بقوة إلى أحياء القاهرة الراقية.. أسس الموسيقي وجدي فرانسيس الفرقة عام 1967.. من أحياء الزمالك والمعادي وجاردن سيتي، وصولًا إلى الإسكندرية كان العالم يعيش في ذلك الحين ذروة تألق فرق مثل “The Beatles” و””The Rolling Stones، وكانت أسطواناتهم تصل إلى القاهرة عبر لبنان وأوروبا، لتشعل حماسة الشباب المصري الباحث عن إيقاع مغاير.

حمل اسم الفرقة، الذي يعني بالفرنسية “القطط الصغيرة” روحًا شبابية خفيفة ومرحة، تعكس حالة الانفتاح الثقافي التي بدأت تظهر في المجتمع المصري وقتها.

موسيقى مختلف

اعتمدت الفرقة في بداياتها على تقديم نسخ معادة من أغانٍ عالمية شهيرة بالإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية، غير أن ما ميزها لم يكن اختيار الأغنيات بقدر ما كان أسلوب تقديمها، فلم يكتف أعضاؤها بتقليد الأصل، بل أضفوا على كل أغنية طابعًا أدائيًا خاصًا يمزج بين روح الروك والبوب الغربية والحس الشرقي الدافئ الذي يستجيب له الجمهور المصري تلقائيًا.

كانت حفلاتهم أشبه باحتفالات شبابية حقيقية تجمع آلات كهربائية حديثة، وملابس عصرية، وأجواء احترافية لم تكن مألوفة على خشبة المسرح الشبابي في ذلك الوقت.

نجوم صنعتهم الفرقة

لعل أعظم ما تركته “Les Petits Chats” ليس ما عزفته على المسرح، بل ما زرعته في أعضائها الذين انطلقوا منها إلى آفاق أرحب، فقد خرج من رحمها عدد من أهم الأسماء في تاريخ الموسيقى المصرية والعربية.

وأبرز هؤلاء عزت أبو عوف الذي كان من أبرز وجوه الفرقة، الذي كان يعزف الأورج ويغني بحضور جذاب وشخصية مرحة جعلته قريبًا من الجمهور بشكل لافت، قبل أن يتحول إلى نجم فني مستقل، ليؤسس لاحقًا مع شقيقاته فرقة 4M التي حققت بدورها نجاحًا واسعًا.

اسم آخر هو عمر خيرت، الذي يعرفه الجمهور اليوم باعتباره أحد أعظم مؤلفي الموسيقى التصويرية في العالم العربي، بدأ مسيرته عازفًا للدرامز مع الفرقة، وقد أسهمت تلك التجربة المبكرة في تشكيل حسه الموسيقي الحديث وفهمه العميق للإيقاعات الغربية وأساليب التوزيع المعاصرة.

وأيضا هاني شنودة، الأب الروحي للموسيقى الشبابية الحديثة في مصر ومؤسس فرقة “المصريين”، الذي استقى من تجربته مع الفرقة مفهوم “الباند” الحديث وطوره لاحقًا ليحدث ثورة موسيقية حقيقية في أواخر السبعينيات والثمانينيات.

أما عمر خورشيد، فقد كان من أكثر أعضاء الفرقة موهبة وتميزًا، إذ امتلك روح الروك الغربية دون أن يتخلى عن الجملة الشرقية، فأصبح لاحقًا أحد أبرز عازفي الجيتار الكهربائي في الشرق الأوسط، ومطلوبًا للعمل مع كبار المطربين..

النهاية.. والعودة

مع مطلع الثمانينيات، بدأت الفرقة تتراجع تدريجيًا مع توجه أعضائها نحو مشاريعهم الفردية التي حملت بذور ما زرعته “Les Petits Chats” فيهم، لكن الفرقة لم تمت فعليًا، بل تحولت إلى ذاكرة حية يتناقلها المهتمون بالموسيقى المصرية جيلًا بعد جيل، وفي عام 2015، عاد اسم الفرقة إلى الواجهة عبر الفيلم الوثائقي “Les Petits Chats” للمخرج شريف نخلة، الذي استعرض رحلتها وذكريات أعضائها وما تركته من أثر دائم. كما شهدت السنوات الأخيرة حفلات استثنائية جمعت بعض أعضائها مجددًا.

إرث لا يختفي

بعد أكثر من خمسة عقود على تأسيسها، لا يزال اسم “Les Petits Chats” يحمل بريقًا خاصًا في ذاكرة الموسيقى المصرية.. لقد كانت الفرقة نقطة التقاء حقيقية بين الشرق والغرب، بين الروك والموسيقى العربية، بين الحلم الشبابي والاحتراف الفني، وربما لهذا، يرى فيها كثير من النقاد والمؤرخين الموسيقيين اليوم واحدة من أهم التجارب في تاريخ مصر الحديث.

اقرأ  أيضا: تزوج من خارج الوسط الفني.. ما لا تعرفه عن عزت أبو عوف في ذكرى ميلاده

;