ذئب الأعماق| لماذا يتربع الطوربيد Mk 48 على عرش البحرية الأمريكية ؟

 الطوربيد الثقيل (Mk 48)
الطوربيد الثقيل (Mk 48)


 

رغم أن هذا السلاح دخل الخدمة لأول مرة عام 1972، إلا أن الطوربيد الثقيل (Mk 48) لا يزال يمثل التاج المرصع لترسانة الغواصات الأمريكية وحلفائها.

 

وسر استمرارية هذا السلاح لنحو نصف قرن لا يكمن في جموده، بل في هندسته المرنة والقابلة للتطوير المستمر؛ فبدلاً من بناء طوربيدات جديدة بالكامل، تعتمد البحرية الأمريكية على تحديث الأنظمة الصلبة (المعروفة بـ Mods) والبرمجيات المتقدمة (المعروفة بـ APBs).

 

فما هي العقيدة القتالية والتقنية التي تحرك هذا الحوت المعدني القاتل؟

 

1. التشريح الهيكلي للحوت القاتل

يبلغ قطر الطوربيد (Mk 48) نحو 21 بوصة (533 ملم)، ويزن أكثر من 3400 رطل (نحو 1.5 طن)، وينقسم جسمه إلى أقسام تكنولوجية بالغة التعقيد:

  • قسم التوجيه والسونار (المقدمة): يحتوي على نظام سونار متطور ثنائي الأبعاد يعمل بمصفوفة طورية، وفي طرازاته الأحدث، تم تزويده بنظام CBASS (نظام السونار المتقدم للنطاق العريض المشترك)، الذي يطلق نبضات صوتية واسعة النطاق لمسح ورسم الخرائط للأهداف، حتى في المياه الساحلية الضحلة والمزدحمة بالتشويش.

  • الرأس الحربي: يضم حوالي 650 رطلاً من المتفجرات شديدة الانفجار.

  • مجموعة الوقود والتحكم: تحتوي على بكرة من سلك التوجيه الدقيق، وخزان وقود مملوء بمادة (Otto Fuel II)؛ وهو وقود دافع مستقر لا يحتاج إلى أكسجين للاحتراق، مما يجعله مثاليًا للعمل في أعماق البحار السحيقة.

  • الهيكل الخلفي والدفع: يحتوي على محرك مكبسي ذي احتراق خارجي بقوة 500 حصان يدير دافعاً نفاثاً مضخياً. تتيح هذه المنظومة للطوربيد الانطلاق بسرعة تتجاوز 55 عقدة بحرية (أكثر من 100 كم/ساعة)، والغوص إلى أعماق تقترب من 2500 قدم.

2. عبقرية التوجيه: منظومة لا تخطئ الهدف

ولا يعمل الطوربيد (Mk 48) بآلية "أطلق وانسَ" البدائية، بل يعتمد على منطق استهداف ثلاثي المراحل:

المرحلة الأولى: التوجيه السلكي المباشر

عند إطلاق الطوربيد من الغواصة، تنحل خلفه حزمة من ألياف بصرية دقيقة أو أسلاك نحاسية، لتبقيه متصلاً ماديًا بنظام التحكم في إطلاق النار بالغواصة. يتيح ذلك للمشغلين إرسال بيانات القياس عن بُعد في الوقت الفعلي، وتعديل الإحداثيات، أو تغيير الهدف في منتصف الرحلة اعتماداً على السونار الضخم للغواصة الأم.

المرحلة الثانية: الإطباق الذاتي الصوتي

إذا انقطع سلك التوجيه – أو إذا اضطرت الغواصة لقطعه للقيام بمناورات مراوغة – يتحول الطوربيد فوراً إلى الوضع المستقل. حيث يقوم بتنشيط مصفوفة السونار الداخلي (الإيجابي/السلبي) لإرسال نبضات صوتية بنشاط أو "الاستماع" للبصمة الصوتية لهيكل السفينة المعادية.

المرحلة الثالثة: منطق إعادة الهجوم

إذا أخطأ الطوربيد هدفه في المحاولة الأولى بسبب وسائل التشويش الدفاعية أو المناورات الحادة للعدو، فإن كمبيوتره الداخلي يسجل هذا الإخفاق، ويدور مجدداً في حلقة دائرية، لتنفيذ "بروتوكول إعادة الهجوم الذاتي" حتى يعيد اقتناص الهدف أو ينفد وقوده.

 

3. التحديثات العصرية: سباق نحو المستقبل

تواصل البحرية الأمريكية دمج ترقيات متقدمة للحفاظ على تفوق الـ (Mk 48) ضد التهديدات الحديثة في القرن الحادي والعشرين:

طراز التحديث محور التركيز القدرة الرئيسية
Mod 7 (CBASS) السونار والتدابير المضادة يستخدم سوناراً رقمياً عريض النطاق للتمييز بسهولة بين الغواصات الحقيقية والشراك الخداعية/أجهزة التشويش.
Mod 8 (TI-1 / APB 6) الاتصالات والمعالجة يستبدل سلك التوجيه النحاسي القديم برابط ألياف بصرية عالي النطاق يعمل بعد الإطلاق (IPLCS).
Mod 9 (TI-2 / APB 7) دفع من الجيل التالي يدخل نظام دفع الطاقة الكيميائية المخزنة (SCEPS)، مما يمنح الطوربيد شبحية فائقة وهدوءاً مطلقاً مع تمديد مداه الأقصى بشكل هائل.

 

4. الفتك العملياتي: ضربة «قصم العمود الفقري»

وعلى عكس المشاهد السينمائية التي يظهر فيها الطوربيد وهو يصطدم بجانب هيكل السفينة، تم تصميم (Mk 48) هندسياً ليفجر شحنته أسفل خط غاطس السفينة (العمود الفقري للهيكل) مباشرة باستخدام صمامات تقاربية.

ويخلق الانفجار الهائل فقاعة غازية ضخمة تحت الماء ترفع السفينة بالكامل إلى الأعلى، وعندما تنهار هذه الفقاعة، تترك فراغاً هوائياً مرعباً أسفل السفينة، مما يجعل الجاذبية تولد ضغطاً عنيفاً يقصم العمود الفقري الهيكلي للسفينة إلى نصفين، وهو ما يؤدي إلى غرق أضخم السفن الحربية في غضون دقائق معدودة.