كان الزمن -وما زال- أحد أخطر أعداء الدول التى تقوم على فكرة التفوق المطلق. فالدول التى تبنى وجودها على السرعة الخاطفة والحسم المبكر تعيش فى سباق دائم مع عقارب الساعة؛ لأن أى حرب طويلة تتحول مع الوقت إلى مرآة تكشف نقاط ضعفها الداخلية قبل أن تكشف قوة خصومها.
وتعد إسرائيل النموذج الأوضح لهذه القاعدة، فمنذ نشأتها قامت عقيدتها العسكرية على فكرة الحرب القصيرة الخاطفة التى تنتهى قبل أن يشعر المجتمع الداخلى بثقلها، وقبل أن تتبدل المواقف الدولية أو يستنزف الاقتصاد أو تتآكل الروح النفسية للسكان.
كانت حروبها فى العقود الماضية أشبه بعمليات جراحية سريعة، تدخل خاطف، انهيار سريع للخصم، ثم عودة إلى الحياة الطبيعية. لكن طبيعة الحروب تغيرت، والمسافات التى كانت تحمى العمق الإسرائيلى تقلصت أمام الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيرة، أصبحت السماء التى احتكرتها إسرائيل مخترقة بأسلحة أرخص وأكثر انتشارًا. تعيش إسرائيل الآن معضلة..
تجد نفسها اليوم أمام حروب لا تنتهى بسهولة، حروب يقاس النجاح فيها بقدرة كل طرف على الصبر أكثر من قدرته على التدمير. فى هذا النوع من الصراعات يصبح الزمن نفسه سلاحًا مضادًا لإسرائيل؛ لأن المجتمع الذى اعتاد الرفاه والأمن النسبى والتفوق النفسى يصعب عليه تحمل الاستنفار الدائم وحجز الأماكن فى المخابئ والخوف المستمر وتعطل الاقتصاد والهجرة العكسية وتآكل الثقة بالمستقبل.
خصوم إسرائيل صاروا يدركون أن هزيمتها المباشرة فى معركة تقليدية مسألة شبه مستحيلة، لكن استنزافها على المدى الطويل أكثر واقعية. كما أن أمريكا لم تعد كما كانت، الأجيال الجديدة أقل اندفاعا نحو الحروب، وأكثر حساسية تجاه كلفة التدخلات العسكرية. الصورة الأخلاقية التى حاولت إسرائيل ترسيخها لعقود تتآكل داخل قطاعات واسعة من الرأى العام الغربى، والإعلام الرقمى كسر الاحتكار التقليدى للرواية.
التاريخ يخبرنا أن التفوق العسكرى وحده لا يصنع استقرارًا أبديًا، وأن القوة مهما بلغت تحتاج فى النهاية إلى القبول السياسى والتوازن الإقليمى والتسوية التاريخية. الإمبراطوريات نفسها لم تسقط حين هزمت عسكريًا فقط، بل حين صارت كلفة البقاء أعلى من قدرة المجتمع على التحمل.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







