الفن يتنفس بين المحطات.. المترو يعزف والقاهرة تُغنّى تحت الأرض

الحفلات الموسيقية في المترو
الحفلات الموسيقية في المترو


فى مدينة لا تهدأ، حيث يركض الزمن على أرصفة مزدحمة، لم يعد النزول إلى مترو الأنفاق مجرد انتقال من محطة إلى أخرى، بل صار عبورًا مفاجئًا إلى عالم آخر، عالم تتداخل فيه الموسيقى مع ضجيج القطارات، وتطل فيه ملامح التراث من بين وجوه العابرين، هنا تحت الأرض تعيد القاهرة اكتشاف نفسها، لا كمدينة تستهلك الوقت، بل كمساحة حية للفن، تقترب فيها الثقافة من الناس دون حواجز أو تذاكر.

لم يعد مترو الأنفاق فى القاهرة مجرد وسيلة مواصلات يومية يستخدمها ملايين المصريين فى ذهابهم وإيابهم، بل تحولت محطاته فى الفترة الأخيرة إلى منصات نابضة بالفن والثقافة، ضمن تجربة تتبناها وزارتا الثقافة والنقل، بهدف نقل الفنون من قاعات العرض المغلقة إلى الفضاءات العامة، وتحقيق ما يُعرف بـاالعدالة الثقافيةب عبر الوصول إلى مختلف فئات الجمهور.

وشهدت محطات المترو فعاليات متنوعة، تراوحت بين معارض الفنون التشكيلية والحفلات الموسيقية، إلى جانب عروض من التراث الشعبى المصرى، مثل الأراجوز والسيرة الهلالية والسمسمية، وهى عناصر أصيلة من الموروث الثقافى، ومسجلة ضمن قوائم التراث غير المادى لدى اليونسكو. وتقام هذه الفعاليات بطريقة مدروسة تضمن عدم التأثير على حركة الركاب، فيتحول المترو، خاصة االخط الأخضرب، إلى ممر ثقافى يربط بين أحياء القاهرة المختلفة.

وخلال الفترة الأخيرة كثفت وزارة الثقافة جهودها لدمج الفنون فى الحياة اليومية، وتعزيز حضور التراث الشعبى خارج الأطر التقليدية، وقد لاقت هذه المبادرات إشادة من مثقفين وفنانين، اعتبروا أنها خطوة مهمة نحو جذب فئات لم تكن تهتم سابقًا بحضور الفعاليات الثقافية، نتيجة اعتقاد شائع بأن الفن حكر على النخبة.

ووفقًا لبيانات الهيئة القومية للأنفاق، يستخدم مترو القاهرة نحو مليونى راكب يوميًا، وهو ما يمثل فرصة هائلة للوصول إلى جمهور واسع ومتنوع يمكن مخاطبته ثقافيًا وفنيًا داخل هذا الفضاء الحيوي.

قلب الزحام

ركزت بعض الفعاليات على الاحتفاء برموز مصرية بارزة، مثل المثال محمود مختار، حيث أُقيم معرض بعنوان االمختار من روح مختارب تزامنًا مع ذكرى رحيله، وحقق تفاعلًا لافتًا من الجمهور، وجاءت الفعالية بالتعاون مع مبادرة ارسم مصرب، التى نظمت ورشًا فنية وجولات تعريفية انتهت بعرض أعمال مستوحاة من تجربة مختار داخل المترو، مصحوبة بعروض موسيقية.

ويؤكد الفنان محمد حمدى مؤسس المبادرة أن التجربة تعكس أهمية وصول الفن إلى الجمهور فى أماكن تواجده، مشيرًا إلى أن بعض الناس ينظرون إلى الفنون باعتبارها بعيدة عنهم، لكن هذه المبادرات قد تغيّر تلك النظرة وتدفعهم إلى البحث والاستكشاف.

وشاركت فى هذه الفعاليات جهات متعددة، من بينها هيئة قصور الثقافة وأكاديمية الفنون، التى قدمت عروضًا مثل كورال المعهد العالى للموسيقى (الكونسرفتوار)، إلى جانب مشاركة لافتة لذوى الهمم، دعمًا لفكرة الدمج المجتمعي. كما حضرت فرق فنية من محافظات مختلفة، مثل أوركسترا الأنامل الصغيرة من بورسعيد، وفرقة السيرة الهلالية من الصعيد، وفرقة السمسمية من الإسماعيلية، مما أضفى تنوعًا ثقافيًا يعكس ثراء المشهد المصرى.

اقرأ  أيضا: «بالألوان» عوض الشيمى.. شاعر الحفر الغائر وذاكرة الظلال