ياسر عبدالحافظ يكتب: القداسات الخطرة.. ضياء العوضي نموذجا

ياسر عبدالحافظ
ياسر عبدالحافظ


حالة العوضي، وجمهوره، تستحق الدراسة، مفيدة فى رصد ومتابعة كيف يمكن التأثير فى جمهور هذا الزمن، وكيفية استغلال الدين، وهواجس الناس، لبناء قاعدة شعبية، القضية برمتها تكشف هشاشة وعى عام، استطاع العوضى عبرها السيطرة على عقول ونفوس ليسيرها خلفه، ثم إنه ومن العالم الآخر ما زال قادرًا على ذلك، من خلال نظام شعبوى بناه على مزيج من الخلاص الصحى، الخلاص الروحى، التمرد على المؤسسة، الكاريزما الشخصية.

لماذا احتاج الناس إلى ضياء العوضى؟ يمكننا أن نفترض إجابات عدة عن سؤال كهذا، وعلى الأغلب كلها ستحمل اتهامًا ما إلى جهات ومؤسسات: المؤسسة الطبية، أو الدينية، أو الإعلامية، وربما أيضًا التعليمية، لكنى أعتقد أن هذا النوع من الإجابات، والاتهامات، ليس صحيحًا، وهو الحل السهل الذى أصبح متعارفًا عليه فى قضايا مشابهة، لأنه لو أمعنّا التفكير لوجدنا أننا ندين أنفسنا من دون أن نقصد، لأن الواقع يقول إن كل واحد منا، وباختلاف الأدوار والمسميات، منخرط فى إدارة هذه المؤسسات، ومن ثم فإن ضياء العوضى ليس إلا أحد نتاجات وعينا الجمعى فى هذه اللحظة!

لم أعرف العوضى قبل وفاته، لكنى وجدت نفسى بعد الضجة التى رافقت رحيله مشدودًا إلى النظر فى ظاهرته، خاصة بعد أن تبين لى أن الأمر أبعد من مجرد نظام صحى غذائى، وبدا لى مع كل تسجيل له أستمع إليه، وقراءة آراء من يتبعون نظامه أننا بصدد دعوة ما لم يعلن عنها بصورة واضحة وبينة إلا عند نهاية القصة تقريبًا، بعد إغلاق عيادته، وسفره إلى دبى، حيث يقول فى تسجيل صوتى منسوب إليه - ومتاح على الإنترنت - إنه نذير من الله، وأن ما تعرض له من «ظلم» لن يمر بحسب ما يحق فى هذا الشأن على «القرية الظالم أهلها».

بالنسبة لى كان الاستماع إلى ذلك التسجيل يشبه من قرأ نهاية قصة قبل أن يفهم أحداثها، ثمة رابط مفقود هنا! كيف ومتى حدث الانتقال من منع الفول، والسماح بالسكر، إلى النذير والوعيد؟!

ما الذى يجمع بين الغذاء، والطب من ناحية والدين من ناحية أخرى؟ لماذا هذا التشدد فى تطبيق نظام غذائى موحد على الجميع؟ يصلح من «عمر ثلاثة أشهر إلى سن الثمانين»! لست طبيبًا، لكنى لا أظن أنى فى حاجة لهذا لأفهم أن ما يستقيم لى لا يستقيم لغيرى، ما الذى جرى فى الدنيا فجأة لتصبح هناك لائحة طعام طويلة ممنوع الاقتراب منها؟ ولماذا لا نشرب الماء إلا عند العطش وبقدر معلوم، ألن يؤدى بنا هذا إلى الجفاف؟ ولماذا يطلب من بعض المرضى إيقاف العلاج؟

بحثت لكني لم أجد للعوضى كتابًا ما يشرح فيه نظريته، إذا كنت طبيبًا تضع نظامًا غذائيًا لمريض لديك فلست مطالبًا إلا بكتابة ورقة يهتدى بها مريضك، لكن لو أنك جئت بنظام تدعى أنه يصلح للجميع، قادر على شفاء الناس بدون أدوية، ألا يستحق هذا الإنجاز العبقرى أن يتم تدوين كل ما يتعلق به، وأن ينفتح النقاش حوله ليس من المجتمع العلمى المصرى فقط بل والعالمى أيضًا، وأن نهب صاحبه جائزة نوبل تقديرًا لهذا المنجز الفريد؟.

لم أجد إلى الآن شيئًا علميًا حول هذا، لكن من الواضح أنه بعد رحيله قدمت بعض المواقع - تلبية لرغبات الجماهير- أوراقًا تحت عناوين كلها تستند إلى نظام الطيبات «المسموح والممنوع فى نظام الطيبات»، «الدجاج والبيض فى نظام الطيبات» وهكذا بما يشى بأن هناك عنوانًا اكتسب قبولًا، وأن الفترة المقبلة ستشهد المزيد من الاستغلال له.

أردت أن أفهم، كيف تأسس هذا النظام وما علاقته بالدين، والواضح أنه - ووفق العوضى نفسه - ومن خلال تسجيلاته العديدة أنه توصل إلى نظامه الغذائى الاستشفائى أولًا، ثم وجد الدلائل عليه من الدين فـ«اطمأن نفسيًا إلى صحة ما توصل إليه».. وهنا هو يقصد تحديدًا القرآن والسنة النبوية، وعليه فإن الأفضل صحيًا لنا أن يكون طعامنا الخل، لأن الرسول قال «نعم الإدام الخل» (الإدام فى اللغة كل ما يؤكل مع الخبز) ووفق هذا فإن العوضى يمنع البقوليات من نظامه الغذائى لأنها أدنى الطعام وفق الآية القرآنية التى خاطب فيها الله على لسان سيدنا موسى بنى إسرائيل العصاة يؤنبهم على طلبهم استبدالهم المن والسلوى بالفوم (الفول أو الثوم تبعًا للتفسيرات للنص القرآنى) والعدس والبصل.

وفق قراءته الخاصة للنص المقدس تحصنت نظرية ضياء العوضى الطبية بما يمنع معارضتها، ومن الواضح أن هذا اختلط بذاك من دون تمحيص أو رجوع إلى علماء، أو أطباء، لتعميق النقاش حول الافتراضات، ودراسة النتائج، لأن خطورة ما قام به العوضى أنه أجرى تجاربه على الناس وعلى الهواء مباشرة، مستهينًا بالحياة الإنسانية بصورة تدعو إلى التساؤل إن كان ذلك الرجل طبيبًا حقًا، حتى لو كان خريج إحدى كليات الطب وتقديراته مرتفعة! ففى أحد التسجيلات يستهين بأن البعض مات نتيجة نظامه الصحى، وفى تسجيل آخر يشجع على التدخين لأنها «آجال» محددة سلفًا!

حالة العوضى، وجمهوره، تستحق الدراسة، مفيدة فى رصد ومتابعة كيف يمكن التأثير فى جمهور هذا الزمن، وكيفية استغلال الدين، وهواجس الناس، لبناء قاعدة شعبية، القضية برمتها تكشف هشاشة وعى عام، استطاع العوضى عبرها السيطرة على عقول ونفوس ليسيرها خلفه، ثم إنه ومن العالم الآخر ما زال قادرًا على ذلك، من خلال نظام شعبوى بناه على مزيج من الخلاص الصحى، الخلاص الروحى، التمرد على المؤسسة، الكاريزما الشخصية.

استخدم العوضي كل ما لديه إلى الحد الأقصى، دعا الناس للتحرر من التبعية لشيوخ الدين، وفق قناعة مفادها أنه لا حاجز بين الإنسان وربه، ودعا أيضًا إلى التحرر من النظام الطبى، لكنه وربما من حيث لا يشعر كان فى الوقت ذاته يعيد بناء السلطة التى يهدمها لكن حول ذاته، سلطة تقوم على نظام غذائى موحد، تعليمات صارمة، وصفات جاهزة، وقواعد يُفترض أن تنطبق على الجميع بلا نقاش، وكأن الخلاص الروحى أو الجسدى يمكن أن يتحقق عبر وصفة عامة تصلح لكل الأجساد وكل الطبائع وكل الظروف.

نمط سلطوى متطرف يرى فى نفسه زعيمًا ومخلِّصًا وصاحب رسالة، ولا جديد فى هذا سوى أنها رسالة يوشك الطعام أن يكون موضوعها الأول والأخير، ويبدو الدواء فيها وكأنه محرم، وفق مبدأ مبهم، وتفسيرات غير مكتملة، وفى هذا فإن ضياء العوضى ليس مجرد حالة فردية معزولة، بل نموذج لما يمكن تسميته بـ«القداسات البديلة»، فالأدوات التكنولوجية أصبحت قادرة على أن تخلق لنا كل يوم نبيًا جديدًا، برسالة مبتكرة، وبلا كتب، تكفى بضعة أقوال مرسلة، والكثير من الكاريزما والثقة بالنفس، وكلما ارتفع جنونك زادت شعبيتك، وكلما مضيت أكثر فى تحدى القواعد القديمة علت مصداقيتك، رسالات بلا قواعد حاكمة باستثناء أن أصحابها يفعلون ويقولون ما يشاءون!