حين تتحول الصحافة من سلطة تُنتج الوعى العام إلى مجرد وسيط لانتزاع الانتباه السريع، فنحن لا نتحدث عن تطور مهنى بقدر ما نتحدث عن إعادة تعريف كاملة لفكرة «الصحافة» نفسها. الخطر الحقيقى اليوم لا يكمن فى اختفاء الصحافة الورقية كوسيط، بل فى تراجع الصحافة الجادة كقيمة، لصالح منطق رقمى صارم لا يعترف إلا بالأرقام: نسب المشاهدة، ومعدلات النقر، وسرعة الانتشار. ومن هذه الزاوية تحديدًا يأتى فيلم «الشيطان يرتدى برادا» فى جزئه الثانى، بوصفه انعكاسًا رمزيًا لواقع إعلامى عالمى يتغير بقلق.
يلتقط الفيلم هذا التحول من خلال انهيار الفاصل بين الصحافة كرسالة، والصحافة كمنتج. آندى ساكس (آن هاثاواى) تمثل جيلًا مهنيًا وجد نفسه بين صحافة تصنع الوعى، وأخرى تلهث خلف التفاعل؛ بين معيار قديم يقوم على التحقيق والتدقيق وبناء القيمة، وآخر جديد يقيس النجاح بمدى التفاعل اللحظى. لحظة تكريمها المهنى، التى تتزامن مع فصلها الفورى، ليست مجرد مفارقة درامية، بل إشارة إلى واقع بات مألوفًا فى المؤسسات الصحفية حول العالم، حيث تُعاد هيكلة غرف الأخبار وفق اعتبارات مالية لا تحريرية، وتُختزل الكفاءات فى أرقام قابلة للاستبدال.
فى المقابل، تظهر ميرندا بريستلى (ميريل ستريب) كرمز لمؤسسة إعلامية فقدت سيادتها التحريرية التقليدية. هذا التحول يعكس ما حدث فعليًا فى صناعة الإعلام خلال العقدين الأخيرين؛ فالصحف والمجلات الكبرى لم تعد كيانات مستقلة فى إنتاج الرأى، بل أصبحت جزءًا من منظومة إعلانية ورقمية تتحكم فيها شركات التكنولوجيا ومنصات التوزيع. كما تشير تقارير عديدة إلى أن جزءًا كبيرًا من الإيرادات الإخبارية بات مرتبطًا بالإعلانات الرقمية، لا بالبيع أو الاشتراكات، ما جعل القرار التحريرى نفسه خاضعًا لضغط السوق.
الأكثر خطورة أن هذا التحول لم يغيّر الوسيلة فقط، بل غيّر طبيعة المحتوى ذاته. فوفقًا لواقع الصحافة المعاصرة، تتراجع المساحات المخصصة للتحقيقات الطويلة والمواد التحليلية لصالح محتوى قابل للتداول السريع، يعتمد على السرعة لا العمق، وعلى الجاذبية اللحظية لا القيمة التراكمية.
ما يطرحه الفيلم، وما يكشفه الواقع بوضوح، هو أن المأساة الحقيقية ليست فى تراجع الصحافة الورقية، بل فى تآكل فكرة الصحافة ذاتها بوصفها سلطة تصنع الوعى وتحرس المعنى. وحين تتحول الحقيقة إلى مجرد رقم عابر فى سباق المشاهدات، لا تخسر الصحافة ورقها فقط، بل تخسر روحها، ودورها، وسبب وجودها.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







