الموقف السياسى

محمود بسيونى يكتب: عودة الروح إلى المدارس.. وشهادة اليونيسف

محمود بسيونى
محمود بسيونى


لو كانت هذه الأرقام قادمة من مؤسسة مصرية، ربما كان الشك قد يتسرب إلى العقل لكنها صادرة عن اليونيسف أهم المؤسسات الأممية الدولية المتخصصة فى التعليم

لم يكن الخطر الأكبر الذى واجه التعليم المصرى فى السنوات الماضية متمثلًا فقط فى ازدحام الفصول أو نقص المعلمين، بل كان فى ذلك التآكل الصامت الذى أصاب جوهر العملية التعليمية ذاتها، حين تحولت المدارس - فى أذهان كثير من الأسر - إلى مجرد مبانٍ تؤدى وظيفة شكلية، بينما كانت المهارات الأساسية كالقراءة والكتابة تتراجع عامًا بعد عام.

دارت الأسر المصرية لسنوات فى حلقة مفرغة من القلق والتجريب. مناهج تتغير، ووزراء يتعاقبون، وشكاوى لا تنقطع داخل «جروبات الماميز». تلك الجروبات التى تحولت إلى مرآة يومية لحجم الضغوط التعليمية، ومع الوقت، تسللت الشكوك إلى النفوس حول قدرة المدرسة على أداء دورها الحقيقى، وحول شكل المخرجات التعليمية فى ظل تراجع المهارات الأساسية لدى قطاعات عريضة من الطلاب، رغم حصولهم على شهادات.

لكن المشهد بدأ يتغير بصورة لافتة خلال العامين الماضيين. مع عودة الحياة تدريجيًا إلى المدارس عبر متابعة ميدانية واسعة قادها محمد عبداللطيف وزير التربية والتعليم، وفق الأرقام الرسمية، نفذ الوزير 612 زيارة ميدانية للمدارس خلال عامين. شملت المتابعة المباشرة لـ97% من المدارس على مستوى الجمهورية، وهو ما انعكس على دعم منظومة الحضور، وتحسين جودة المتابعة، وتوفير بيانات دقيقة للدراسة، التى أجرتها منظمة اليونيسف.

خلال «مؤتمر استشراف مستقبل مصر فى التعليم»، الذى شهده الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء قبل أيام واستعرض نتائج دراسة إصلاح التعليم، ظهرت مؤشرات تستحق التوقف أمامها وتأملها ليس فقط؛ لأنها تعكس تحسنًا ملموسًا، بل لأنها تقدم - لأول مرة منذ سنوات - صورة رقمية متماسكة لمسار استعادة المدرسة المصرية لدورها.

الدراسة التى عرضها شيراز شاكيرا، رئيس قطاع التعليم فى يونيسف مصر، أكدت أن المنظومة التعليمية تشهد تحولًا حقيقيًا وإصلاحًا متسارعًا، شارك فيه الجميع من الوزير إلى المعلم مرورًا بمديرى المدارس، فى محاولة لإعادة بناء العملية التعليمية من داخل الفصل الدراسى نفسه. ورصدت الدراسة تحسنًا واضحًا فى مؤشرات رئيسية، إذ ارتفع معدل حضور الطلاب من 15% إلى 87%. بينما انخفضت كثافة الفصول فى المرحلة الابتدائية من 63 طالبًا فى الفصل (2023/2024) إلى 41 طالبًا فقط (2025/2026)، بعد أن كان هناك نحو ألفى فصل يتجاوز عدد الطلاب فى كل منها المائة.

لكن الرقم الأكثر دلالة لم يكن متعلقًا بالمبانى أو الحضور، بل بمهارات القراءة والكتابة - أى بالمؤشر الحقيقى لقدرة أى نظام تعليمى على أداء وظيفته الأساسية، حيث كشفت الدراسة أن هناك تطورًا إيجابيًا ملموسًا وتم اكتشافه من خلال اختبارات مهارات القراءة والكتابة شملت 1.38 مليون طالب فى 27 محافظة، عبر ثلاث مراحل متتابعة، بالتزامن مع تدريب 30 ألف معلم ضمن البرنامج القومى لتنمية مهارات اللغة العربية، وكانت النتائج كاشفة لحجم التحول:

● المرحلة الأولى (فبراير- مايو 2025، 10 محافظات): 45.5% من الطلاب يعانون ضعفًا فى القراءة والكتابة.

● المرحلة الثانية (أكتوبر - ديسمبر 2025، 10 محافظات): انخفضت النسبة إلى 32.4%.

● المرحلة الثالثة (فبراير - مايو 2026، 7 محافظات): تراجعت النسبة إلى 13.9% فقط.

 هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، ولا معجزة مفاجئة، بل جاء نتيجة نجاح إجراءات وضعها محمد عبد اللطيف وزير التعليم ودعمتها الحكومة، واستهدفت إعادة بناء البيئة التعليمية واستعادة الانضباط وإعادة الاعتبار للحضور والتقييم والمتابعة، تؤكد الدراسة أن ارتفاع الحضور من 15% إلى 87%، وزيادة أيام الدراسة من 110 إلى 174 يومًا، أعادا للعام الدراسى معناه الحقيقى كزمن فعلى للتعلم ،لا مجرد إطار شكلى ينتهى بالامتحانات.

وفى قلب هذا التحول، جاءت معركة الكثافات - تلك الأزمة المزمنة التى حولت بعض الفصول لسنوات إلى مساحات للتكدس البشرى، لهذا، توسعت الطاقة الاستيعابية للفصول بنسبة 20%، عبر إعادة تخصيص 45,248 فراغًا داخل المدارس لاستخدامها كفصول، وإعادة 53,496 فراغًا آخر إلى الخدمة التعليمية، كما أشارت الدراسة إلى سد العجز فى معلمى المواد الأساسية، الذى بلغ 469,860 معلمًا، إلى جانب الاستعانة بـ133,340 معلمًا بنظام الحصة، واستمرار مبادرة تعيين 30 ألف معلم سنويًا.

هنا تتضح العلاقة المباشرة بين الأرقام والنتائج، فعندما يعود الطالب إلى المدرسة، ويجد فصلًا أقل ازدحامًا، ومعلمًا قادرًا على الشرح، ونظام تقييم مرتبطًا بالحضور والتحصيل، تصبح القراءة والكتابة نتيجة طبيعية لتحسن البيئة التعليمية، لا استثناء نادرًا.

لذلك لم يكن غريبًا أن تؤكد الدراسة أن التقييمات الأسبوعية المرتبطة بالدرجات لعبت دورًا رئيسيًا فى إعادة الطلاب إلى الفصول. إذ أشارت 94% من مجموعات النقاش إلى وجود ارتباط مباشر بين الانتظام الدراسى وتأثير التقييمات على الدرجات، كما كشفت الدراسة أن تطوير المناهج شمل إعادة هيكلة 94 منهجًا دراسيًا، تضمنت تبسيط كتب اللغة العربية، وإعادة تصميم الدراسات الاجتماعية، وتحديث محتوى اللغة الإنجليزية، إلى جانب إدراج البرمجة والذكاء الاصطناعى ضمن مناهج الصف الأول الثانوى.

لو كانت هذه الأرقام قادمة من مؤسسة مصرية، ربما كان الشك قد يتسرب إلى العقل لكنها صادرة عن اليونيسف أهم المؤسسات الأممية الدولية المتخصصة فى التعليم، واستندت الدراسة إلى عينات عشوائية، وتقسيمات جغرافية دقيقة، والتحقق من النتائج كان عبر سبعة مصادر مستقلة للأدلة.
ولعل الدلالة الأعمق لهذه الأرقام أنها تعيد طرح سؤال حول جدية عمل الحكومة على بناء الإنسان، وأخطر مراحل بناء الإنسان هو توفير التعليم الجيد، وكيف يمكن بناء مجتمع قادر على المنافسة إذا كانت المدرسة عاجزة عن إنتاج طالب يجيد القراءة والكتابة؟ من هنا، يصبح تراجع نسبة الضعف من 45.5% إلى 13.9% أكثر من مجرد نجاح رقمى، بل نحن أمام مؤشر على أن التعليم المصرى بدأ يتحرك إلى الأمام بخطوات عملية، وأن الدولة تحاول استعادة المدرسة كأحد أهم خطوط الدفاع عن الوعى والمعرفة وبناء الإنسان القادر على استكمال مشروع الجمهورية الجديدة.

يظل التحدى الأكبر هو المحافظة على هذه المؤشرات الإيجابية، وقدرة الدولة على تحويلها إلى مسار مستدام لا يرتبط بظرف مؤقت أو جهد استثنائى عابر، فالتعليم بطبيعته مشروع طويل النفس، تُقاس نتائجه الحقيقية عبر سنوات لا شهور، وتُختبر قدرته الفعلية حين تتحول الإصلاحات من مبادرات مرتبطة بالأشخاص إلى ثقافة مؤسسية مستقرة داخل المدرسة المصرية، ولذلك فإن الحفاظ على معدلات الحضور، واستمرار خفض الكثافات، وتطوير مهارات المعلمين، وتعميق الاهتمام بالقراءة والكتابة، سيبقى الاختبار الأهم للحكومة فى السنوات المقبلة.