فى الصميم

نتنياهو.. هل هو السقوط الأخير؟!

جلال عارف
جلال عارف


بدون أى صوت معارض، وافق البرلمان الإسرائيلى «الكنيست» على البدء فى إجراءات حل نفسه تمهيداً لإجراء انتخابات مبكرة.. نتنياهو اضطر للسير فى هذا الطريق تجنبًا لسقوط الحكومة نتيجة الخلاف مع الأحزاب الدينية المشاركة فى الحكم على خلفية قضية «تجنيد الحريديم» من شباب هذه الأحزاب الذين كانوا حتى الآن يتمتعون بالإعفاء من التجنيد.

أما المعارضون فيرون أنها فرصة لتأكيد عجز حكومة نتنياهو عن إدارة البلاد، ورغم أن الانتخابات اذا تم التصديق النهائى على حل البرلمان لن يجرى تقديم موعدها إلا بضعة أسابيع فقط، فإن الأمر بلا شك يربك حسابات نتنياهو الذى كان بعض المعارضين، مثل رئيس الوزراء الأسبق «باراك» يتوقعون أن يعرقل إجراء الانتخابات فى موعدها المحدد (قبل ٢٧ أكتوبر) بأى طريقة.. بل ولا يستبعدون انقلابه على نتائجها إذا تأكد من سقوطه.

الأزمة تأتى فى أسوأ توقيت بالنسبة لنتنياهو. كل استطلاعات الرأى تشير إلى تقدم أحزاب المعارضة التى اكتسبت زخماً جديداً بعد إعلان التحالف بين زعيم المعارضة الحالى «لابيد» ورئيس الحكومة السابق «نفتالى بينت» واحتمال انضمام رئيس الحكومة السابق «ازينكوت» إليهما فى حزب «معاً» الجديد..

ومع ذلك كان رهان نتنياهو هو ألا تحصل المعارضة على الأغلبية الكافية لتشكيل الحكومة ليبقى فى الحكم بصورة مؤقتة أو ليفرض حكومة ائتلافية يكون على رأسها تضمن له الاستمرار فى المماطلة القانونية فى المحاكمة عن تهم الفساد والتى قد تقوده إلى السجن، والاستمرار أيضًا فى التهرب من التحقيق المستقل عن مسئوليته عن أحداث ٧ أكتوبر.

كان رهان نتنياهو يقوم من ناحية على تفكك المعارضة، ومن ناحية ثانية على قدرته العالية على المناورة السياسية لحشد كل قوى اليمين وراءه، وعلى حالة الحرب المستمرة التى يفرضها على كل الجبهات، ثم على الدعم الأمريكى الذى بلغ مستوى غير مسبوق مع الإدارة الحالية..

لكن يبدو أن زمن الرهانات الرابحة قد ولى، وأن مجرم الحرب يواجه أصعاب أيامه. الأزمات الداخلية تضرب تحالفه اليمينى، وسنوات الحرب التى استنزفت الاقتصاد وأنهكت الجيش لم تحقق أمناً ولم تجلب سلاماً، والإدارة الفاشلة من نتنياهو عزلت إسرائيل عن العالم، وخبرته الواسعة بالشأن الأمريكى أوصلت أغلبية الأمريكيين لأن يقفوا لأول مرة ضد جرائم إسرائيل وأن يطرحوا السؤال الذى كان محرمًا: لماذا نحارب من أجل إسرائيل وعلى حساب مصالحنا؟!

ورغم هذا الحل يظل غارقاً فى أوهامه بأنه يصنع التاريخ، وبأنه فوق كل القوانين والحسابات، وتظل الحرب هى الخيار الأساسى وربما الوحيد للخروج من كل أزماته، ولا يفهم أن نقل ملف التفاوض حول حرب إيران إلى نائب الرئيس الأمريكى «دى فانس» كان يعنى أن هناك مراجعة أمريكية للموقف وإدراكًا متزايداً بأن الحل السياسى مطلوب وممكن. التقارير الأمريكية عن «المكالمة الغاضبة» بين ترامب ونتنياهو لا تعنى إلا أن مجرم الحرب أدمن الحسابات الخاطئة، وأنه «فوجئ!!» بموقف ترامب الباحث عن حل سياسى يحقق ما يراه مصلحة أمريكا فى إنهاء حرب يرفضها العالم كله ويعانى من آثارها.

سيفعل نتنياهو المستحيل كما هى العادة للوقوف ضد الحل السياسى لأزمة إيران، لكنه لا يملك الكثير. تصريح ترامب بأن «نتنياهو سيفعل ما يطلبه منه» قد يكون موجعاً لنتنياهو، لكنه ضرورى لتوضيح الأمر وتجنب المزيد من الحسابات الخاطئة. المشكلة الأكبر بالنسبة لنتنياهو أن يمتد الحل السياسى ليغلق الباب أمام العربدة الإسرائيلية فى كل الجبهات، وأن يحقق هو العلامة الكاملة فى فشل كل حروبه فى تحقيق أهدافها، وأن يدخل الانتخابات (فى موعدها العادى أو المبكر) وهو بلا إنجاز حقيقى إلا أنه الفاشل فى كل الحروب والهارب من العدالة، والباحث عن سلطة تحميه من المحاكمة.. أو عن عفو يبعده عن السجن.