تُعد الأيام العشرة الأوائل من شهر ذى الحجة أعظم أيام السنة، وأحبها إلى الله تعالى فى العمل الصالح، فقد فضلها سبحانه على سائر الأيام، وأقسم بها فى كتابه العزيز، لما لها من مكانة عظيمة ومنزلة رفيعة.
وهى موسم إيمانى عظيم تتضاعف فيه الحسنات، وتتنزل فيه الرحمات، وتجتمع فيه أمهات العبادات من صلاة وصيام وصدقة وحج وذكر لله تعالى، لذلك يحرص المسلمون على اغتنام فضل هذه الأيام المباركة بالإكثار من الطاعات والقربات.
يقول د. محمود مهنى عضو هيئة كبار العلماء إن الله تعالى فضّل بعض الأزمنة على بعض، وجعل فيها مواسم للطاعة تتضاعف فيها الأجور وتُغفر فيها الذنوب، رحمةً بعباده، وحثًّا لهم على اغتنامها والإكثار من الأعمال الصالحة فيها، رجاء رحمته وابتغاء ثوابه.
ويضيف أن رسول الله أرشد الأمة إلى اغتنام هذه المواسم المباركة، فقال: «إِنَّ لِرَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فِى أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَهَا، لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ تُصِيبَهُ مِنْهَا نَفْحَةٌ لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا».
ويوضح أن من أعظم هذه المواسم المباركة العشر الأوائل من ذى الحجة، فقد أقسم الله تعالى بها فى قوله سبحانه: ﴿وَالْفَجْرِ. وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، مشيرًا إلى أن جمهور المفسرين ذهبوا إلى أن المقصود بالليالى العشر هو عشر ذى الحجة، وهذا القسم الإلهى دليل واضح على عظيم فضلها ورفعة مكانتها.. كما استشهد بحديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ، وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّحْمِيدِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّهْلِيلِ».
وأكد أن هذا الحديث يدل على أن العمل الصالح فى هذه الأيام أحب إلى الله تعالى من العمل فى سائر أيام الدنيا، ولذلك كان السلف الصالح يحرصون على اغتنامها والاجتهاد فيها بالطاعات والعبادات، فقد ورد عن سعيد بن جبير رضى الله عنه أنه كان إذا دخلت أيام العشر اجتهد اجتهادًا شديدًا حتى ما يكاد يُقدر عليه.
وأشار إلى أن ثبوت هذا الفضل العظيم لهذه الأيام المباركة يقتضى من المسلم الحرص على الإكثار من أنواع الطاعات المختلفة، سواء كانت عبادات بدنية أو مالية، ظاهرة أو باطنة، حتى تكون هذه الأيام ميدانًا واسعًا للتنافس فى الخيرات وتهذيب النفوس وتزكية الأعمال.
ومن أبرز الأعمال المستحبة فى هذه الأيام المباركة الصيام، حيث يُستحب لغير الحاج أن يصوم الأيام التسعة الأولى من ذى الحجة، فإن شق عليه ذلك صام ما تيسر له منها، وخاصة يوم عرفة، لما ورد عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِى بَعْدَهُ». كما يُستحب الإكثار من ذكر الله تعالى بالتكبير والتهليل والتحميد، إظهارًا للعبودية وتعظيمًا لشعائر الله، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾، إلى جانب الحرص على قيام الليل، وقراءة القرآن الكريم، والإكثار من الدعاء والتسبيح وسائر الأعمال الصالحة، فضلًا عن الصدقة وصلة الأرحام والإحسان إلى الناس وقضاء حوائجهم، لأن أبواب الخير فيها واسعة، والأجر فيها مضاعف. كما تُعد الأضحية من أحب الأعمال إلى الله تعالى يوم النحر للقادر عليها، لما تحمله من معانى الطاعة والتقرب إلى الله وتعظيم شعائره، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
ويختتم د مهنى حديثه بالتأكيد على أن العشر الأوائل من ذى الحجة فرصة عظيمة لكل باغٍ للخير، ومنحة ربانية تتنزل فيها الرحمات، وتُضاعف الحسنات، وتُغفر السيئات، داعيًا المسلمين إلى اغتنامها بالإكثار من الصيام والقيام والصدقة وقراءة القرآن والدعاء وذكر الله والصلاة والسلام على النبى .
ويؤكد د. محمد حسنى الأستاذ بإعلام الأزهر أن العشر الأوائل من ذى الحجة تتميز بأنها تجمع أمهات العبادات، ففيها الصلاة والصيام والصدقة والحج والتكبير وذكر الله، وهى عبادات قد لا تجتمع فى غيرها من أيام العام، فضلًا عن يوم عرفة الذى يُعد من أعظم أيامها، حيث يباهى الله تعالى بأهل الموقف ملائكته، ويغفر فيه الذنوب، ويعتق الرقاب من النار.
ويضيف أن النبى قال: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»، وهو ما يكشف عن عظمة العمل الصالح فى هذه الأيام المباركة، وأنها فرصة حقيقية لتعويض التقصير وتجديد الصلة بالله تعالى..
ويوضح أن من الأعمال المستحبة فيها الإكثار من التكبير والتهليل والتحميد، فقد كان الصحابة رضى الله عنهم يرفعون أصواتهم بالتكبير فى الأسواق والمساجد والبيوت، إحياءً لشعائر الله وتعظيمًا له، كما يُستحب صيام الأيام التسعة الأولى لمن استطاع، والمحافظة على الصلوات فى أوقاتها، وقراءة القرآن، وصلة الأرحام، والصدقة على الفقراء والمحتاجين، والإحسان إلى الناس.
وأشار إلى أن الأضحية من أعظم القربات فى هذه الأيام، لما تحمله من معانى الطاعة والتضحية والتكافل الاجتماعي، وإحياءً لسنة سيدنا إبراهيم عليه السلام، فهى شعيرة عظيمة تُظهر روح الرحمة والتراحم بين أفراد المجتمع.
«سيلفى الحج»| علماء: جائز ما لم يشغل عن العبادة
العبادة ليست موسمًا عابرًا| العلماء: الثبات على الطاعة علامة صدق الإيمان
خواطر الشعراوى| فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ







