قريباً من السياسة

هدايا مرفوضة

محمد الشماع
محمد الشماع


لم تمر عدة أيام على مغادرة ترامب الصين حتى حل بوتين ضيفًا على بكين بمراسم استقبال فاخرة زاد عليها نوع من المؤانسة التى تمثلت فى تجول بوتين بالمطبخ ومناقشة الطباخين والعاملين لكى يرسل رسالة للعالم أنه من أهل البيت. هكذا تحولت الصين إلى قبلة تسعى إليها القوى العظمى، وتأكدت مقولة ماوتسى تونج حين قيل له: لماذا وافقت على زيارة نيكسون للصين؟

فقال سمعت طرقًا على الباب فقلت: مَن؟.. قال: أنا نيكسون.

هكذا نجحت دولة ضخمة مثل الصين كانت تنوء تحت مشاكل مرعبة من التحول إلى قوى عظمى تقصدها الإمبراطوريات الزائلة أمريكا وروسيا اللتان تعلمان أن حصان بكين هو الرابح.

عمومًا ليس هذا موضوعنا اليوم، لكن موضوعنا هو الوهم الذى اشتراه ترامب الذى عرّض العالم كله إلى أزمة اقتصادية وأزمة عسكرية بسبب حسابات غير دقيقة، لقد ذهب ترامب للصين وطلب منهم أن يوافقوه على أن مضيق هرمز يجب أن يظل مفتوحًا.. ووافقوه. كما سألهم أن يوافقوه على أن إيران يجب ألا تصبح دولة نووية فوافقوه..

وهو أسلوب صينى معروف أنهم لا يضعون العقبات، ولكنهم يتماشون حسب قواعد برجماتية السياسة. تستطيع الصين أن تقول إنها طلبت من إيران فتح المضيق لكن إيران لا تسمع الكلام، وتستطيع الصين أن تقول إنها طلبت من إيران عدم التمادى فى تخصيب اليورانيوم، لكن إيران لا تسمع الكلام، وليس هناك قوى تستطيع أن ترغم الصين أن تخوض حربًا ضد إيران.

هكذا فإن زيارة ترامب للصين لم تتمخض عن شىء وإنما ترامب يبحث عمن يتكلم معه، ويبحث عن بعض الأضواء ويرفض الاعتراف بالهزيمة ويرفض الاعتراف بأنه تسبب فى فقدان هيبة أمريكا فى العالم، وها هى إمبراطورية عظمى تتدحرج من مكانتها وتبحث عن السلام مع إيران والصداقة مع بكين، وتلك هى حال الدنيا.

وها هو بوتين يذهب إلى الصين للتأكيد على عمق الصداقة الروسية الصينية، للتأكيد على أن محور القوة يمتد من موسكو إلى بكين وأن واشنطن تعانى من مشاكل لم تكن فى الحسبان.

ولعل مشهدًا ثانويًا يجسد حجم المخاوف داخل أمريكا والذى تمثل فى إلقاء الوفد الأمريكى لكل الهدايا التى تلقاها من الصين فى صندوق القمامة قبل صعوده الطائرة الرئاسية، وبعض تلك الهدايا كان هواتف متقدمة وأجهزة لاب توب لكن السلطات الأمنية الأمريكية كانت تحمل تخوفًا داخليًا من أن تكون الصين قد وضعت أجهزة تجسس داخل هذه الهدايا.