يوميات الأخبار

لا تكن طيبًا...!

د. محمود عطية
د. محمود عطية


«إن كنت ذلك الشخص فأبواب الأطباء مفتوحة لك، وستكون زبونًا مستديمًا لديهم، وغالبًا لن تجد الشفاء عندهم».

السبت:

«الحق نفسك»

أنت شخص طيب، ومجامل، ومحب للآخرين وتحمل همومهم دائمًا وتعيش مشكلاتهم.. تأكد إن كنت ذلك الشخص فأبواب الأطباء مفتوحة لك، وستكون زبونًا مستديمًا لديهم، وغالبًا لن تجد الشفاء عندهم، لأنك شخص طيب وتشعر بلا مبرر بأنه مازال عليك إثبات نفسك كل يوم عن طريق ما تؤديه للآخرين من خدمات، وتتفانى فى بذلها. صدقنى لا تحاول أن تقنع نفسك بأن أصدقاءك يحبونك لأجل ما تفعله لهم، ربما يحبون ما تفعله لهم، أما حبهم لك فأظن أنه يقدم هدية لك بعيدًا عن خدماتك لهم.

«الحق نفسك».. وحاول تنسى أن قيمتك تنبع من خدماتك للآخرين، وأن عطاءك سيجعلك محبوبًا ومرغوبًا، ولا تستغرب أن يقف ضدك من قدمت لهم خدماتك وعطاءك.. ولا تحاول أن تشعر نفسك بعدم القيمة لأنك لم تستطع إسداء جميل أو معاونة للآخرين.. ولا تسمح بأن يتسرب لنفسك أنك إنسان سيئ، أو عديم النفع لمجرد أنك لم تبذل خدمات أو تقدم عطاء لغيرك.

وانس تمامًا أنه يجب أن تفوز برضى وحب الآخرين عن طريق تلبية رغباتهم، ولا تعوّد أحدًا أنك تفعل كل شىء، وفوض بعض مهامك لغيرك، وتنصل بكل لباقة من فعل ما لا ترغب حتى لا تجد نفسك لا تفعل شيئًا سوى تلبية رغبات الآخرين، وتوقع أن ينفضوا من حولك بعدما تلبى رغباتهم لانشغالهم بأمور حياتهم، ولا تنتظر رد الجميل يومًا، أو تتوقع أن يسبّحوا بحمدك طول الوقت، وعليك أن تشعر بالفخر إن اقتنصت منهم كلمة شكرًا على ما أديته لهم.. وتذكر دائمًا قيمتك من نفسك ليس من الآخرين.

الثلاثاء:

«تشجّع وعيط»

مسكين عالم الرجال ابتلع الكذبة، وصدق بحسن نية أن «العياط مش للرجالة»، ولا ندرى من صاحب تلك الكذبة أو النصيحة تلك، وابتلعها الرجل، ولم يتبين من صدّرها له وجعل عالم النساء يستفرد بالعياط وحده، أظن وظنى هنا ليس إثمًا أن مصدر هذه الكذبة ومروجها لابد أن تكون امرأة، والمثير فى الأمر أكثر أن الرجل بكل حسن نية تقرب من البلاهة، آمن بتلك الكذبة دون فحص أو تمحيص، وكتم العياط يا ولداه، وتصور الآباء أنهم حين ينهرون صغارهم: «عيب ما تعيطش زى الستات» أنهم يضعون بذرة الرجولة فى أبنائهم...!

وبات معلومًا بلا أى ضرورة أن البكاء حكر على عالم النساء فقط، وتحجرت الدمعة فى أعين الرجل، وكتمها لتقبع «الانفعالية البكائية» فى جب عميق داخل الرجل، وببساطة دفعته دائمًا إلى الإحساس بالضغط، وكأنه على شفا الانفجار كالحلة «البريستو»، ولا يستطيع التنفيس ولو ببضع دمعات أمام أى حدث حتى لا يحمل صفة من صفات عالم النساء، واستعان بيديه فى أحيان عديدة للتعامل مع المرأة بدلًا من البكاء.

وتعودت المرأة بكل جسارة على العياط «عمّال على بطّال» بدمع منهمر، فتتخلص سريعًا من شحناتها الانفعالية وتفض توترها، وضغوطاتها، وبذلك حافظت على أعصابها هادئة دائمًا.. وتوردت خدودها، وطال عمرها بالمقارنة بعمر الرجل، وبطريقة سحرية ربطت المرأة عقل الرجل وصورت له أن البكاء دليل أنوثة وميوعة، وبلعها المسكين أيضًا بلا فحص ولا تمحيص...!

وأخيرًا العلم كشف تلك الحيلة النسائية القاتلة، وفضح زيف كذبة «العياط مش للرجالة» على يد فريق بحثى معتبر بجامعة «ماركويت» بأمريكا.. فقد أثبتوا فى أحدث أبحاثهم أن البكاء أحد أهم ضروريات الحياة الانفعالية، والصحة النفسية السليمة، ولا توجد علاقة من قريب أو بعيد بين العياط واكتساب الرجل صفة نسائية، كما أكد البحث أن استغناء الرجل عن البكاء جرّ عليه عديد من بلاوى الأمراض النفسية، والبدنية، وقصف عمره بدرى بدرى، وأكد أن البكاء يساعد فى إخراج السموم من الجسد البشرى، ويخفف من الضغط العصبى الذى يتعرض له الرجال ويسبب أمراض القلب، وأوصى الفريق بعدم الاستماع لنصيحة الآباء لأطفالهم الصبيان بعدم البكاء، كما أكدت الأبحاث أن الدموع المنهمرة من العين تنظفها وتخلصها من شوائبها ومن البكتيريا والجراثيم العالقة بها وتزهزه لون العين وبياضها، وشدد الباحثون على ألا يفوت الرجل أى فرصة سانحة له للبكاء، الرجولة لا تعنى التجرد من الإنسانية؛ فالأنبياء والعظماء بكوا فى مواقف الفقد والحزن، فكن رجلًا و«عيط».

الثلاثاء:

استفتِ قلمك

شغّل عقلك ثم استفتِ قلمك، واكتب كلماتك وحدد عباراتك لتنير ظلمة، وتساعد قلبًا جريحًا وتواسى بها بائسًا ومحرومًا، استفتِ قلمك قبل أن تكتب لتعيد حق ضائع لأيتام صغار وأرملة تعول، وشيخ ضرير، وعامل ضعيف، لا تقل خاننى التعبير، ونسيت التفكير، وانزلقت كلماتى على الورق دون تحسب، أو تدبر، فالكلمة تخرج من قلمك كطلقة من فوهة مدفع تصيب فتقتل وتشوه سمعة وتبطل حقًا وتحق باطلًا.

انتبه فالكلمة تزنى، وتذبح أبرياء، وتسحق ضعفاء، الكلمة تخون فتبجل جبناء، احذر من كلمتك لأنها تفضح وتبين زيف كاتبها، وتصمه بالخداع إن لم يستفتِ قلمه، توقف قليلًا استنشق هواءً نقيًا مرة بعد مرة قبل أن تكتب أو تحرك قلمك على أوراق ملساء بسطور سوداء لا خير فيها ولا رحمة بضعفاء لا يملكون ناصية القلم والبيان.!

استفتِ قلمك قبل أن تجلس أمام الكمبيوتر لتكتب كلمتك طمن قلبك أولًا، ولا تنافق أو تجامل أو تداهن، أما زلت لا تصدق أنك راحل يومًا، وستبقى كلماتك من بعدك تشهد على زيفك، وبهتانك، ويزدريك ناسك من بعدك، ويشمتون فى أهلك وذويك، وتظل اللعنة تصب على رأسك كلما عاد أحدهم ليقرأ كلماتك، وعباراتك، وتشبيهاتك، وكنت تظنها صولات وجولات وفتوحات، ولم تكن سوى كلمات جوفاء لا تساوى ثمن الورق ولا أى تهنئات.
استفتِ قلمك لماذا تكتب فيما لا تعلم، وتجادل بكتاباتك فى تخصص ضنين على فهمك.. ألم تدرك بعد أن كلماتك لم تكن نافعة ولا شافعة كلمات شتت شملًا وزيفت أمرًا، وزادت فى مثالب الأمة، انتبه الكلمة أمانة تحمل وزرها وعبء فعلها.

كيف لم تستفتِ قلمك حين كتبت لابد من فصل متعاطى المخدرات من العمل؟! هل تظن أن ذلك يمنعه من التعاطى؟! لماذا لم تستفتِ قلمك، وتسأل بداية لماذا يتعاطى المخدرات؟ وكل سلوك له سبب، وربما أسباب وليس مبررات، لماذا لم تقل نوفر له العلاج عله يعمل عملًا صالحًا.. ونعالج الأسباب حتى لا ينضم لآخرين!

لماذا تترك قلمك يفتى بأن الإرهابى لا دين له، وهو يملك نصوصًا يفهمها دون تأويل وبعضها ما زال يدرس...! لماذا قلمك لم يفتِ بحرمانية ترك النصوص بين يدى طالبى المال والشهرة يتسكعون بها على أبواب الفضائيات، لماذا لم تشر لمن جعله متعصبًا وغذى تعصبه ووضع الرصاص بين يديه وأصبح خطرًا يداهم العالم ومن ضاقت بهم بلادهم وعاشوا فى الغربة. لماذا لم تستفتِ قلمك بأن كتاباتك فيما لا تعلم جهل لا يغتفر وحساب الزمن أشد وأقوى، اسمعنى ولو مرة، استفتِ قلمك وإن أفتوك وإن أفتوك.

قالوا:

نعيش فى العصر الأكثر اتصالًا فى تاريخ البشرية، حيث يمكننا التحدث مع شخص فى قارة أخرى بضغطة زر، ومع ذلك، لم يشعر الإنسان قط بهذا القدر من العزلة والوحدة الجافة.

كنت أهرب منه بكامل قوتى، وفى كل خطوة كنت أبتعد فيها عنه، كنت ألتفت لأرى إن كان يتبعنى، خوفًا من أن أكون قد نجحت فعلًا فى الهروب.

أنفق عمره فى جمع المال ليشترى به الراحة، وعندما امتلأت خزائنه، وجد أنه أنفق صحته وشبابه وراحته، ولم يتبقَ له سوى المال ليشترى به الأدوية.