فى واحدة من الحلقات التى سجلتها قناة «الجزيرة» مع الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل وصف أستاذه محمد التابعى بأنه أستاذ من أهم أساتذة الصحافة المصرية فى العصر الحديث، وفى مضمار الأسلوب لا يستطيع أحد أن يباريه، واعترف بفضله عليه وعلى كل أبناء جيله الذين تعلموا على يديه فنون الصحافة الحديثة، وتأكيدًا لهذا الاعتراف كتب كلمات بليغة فى مقدمة كتاب التابعى «أسرار الساسة والسياسة». قال فيها: «هذه السطور من القلب وهى تقديم اعتذار للأستاذ التابعى عن درجة من النسيان لاسمه وقيمته لحقت ذاكرة أجيال جديدة من القراء بغير ذنب عليهم، لأن المسئولية فيه واقعة بالحق على ناحيتين، أطراف ظلمت الرجل من جهة، وعوائد ترسبت بعموم على جهة أخرى، ومن ظلم الأطراف مثلًا أن بعض تلاميذ المدرسة الصحفية للتابعى ولأسبابهم آثروا السكوت عن دوره أو القفز عليه، ومن ظلم الأطراف أيضًا أن كثيرين أخذوا عما كتب التابعى من دون أن ينسبوا له رغبة فى إظهار أمرهم، والنتيجة إخفاء أمره، أما العوائد التى ترسبت فأولها ظاهرة لها سوابق فى تاريخنا، خصوصًا أزمنة الفراعنة والمماليك، ومن هذه العوائد أن كل نجم طالع فى أى مجال يريد، بينما موصولًا بالشمس، يستكبر أن يكون ابنًا شرعيًا لأب نما يطلب أن يكون مولودًا بذاته ولذاته بداية ونهاية. ومع مثل تلك النوازع تتكون مع تعاقب الأجيال صفحات باهتة، أو صفحات مُمزقة أو صفحات مزوقة، وعليه لا يصبح التعاقب تاريخًا موصولًا ومتواصلًا إنما يصبح غرضًا وهوى أخطره هوى السلاطين قريبًا وبعيدًا. سلاطين القرب يبغون محو أثر وقطع ذكر لمن سبق كى يبقى زمانهم وحيدًا، وسلاطين البعد يهاجمون ذاكرة ويبعثرون ترتيبًا كى يضيع الزمان كله من أصحابه ومعه وعيهم، وهو مكمن إرادتهم. إننى لا أقدم كتابًا للأستاذ التابعى لكنى أقدم اعتذارًا وذلك بالفعل شعورى إزاء رجل أعتبره من أساتذتى الكبار، وأستاذ لكثير غيرى من الجيل نفسه الذى خطا إلى عالم الصحافة فى أعقاب الحرب العالمية الثانية وبالتحديد مع مطالع الأربعينيات من القرن العشرين.
محمد حسنين هيكل

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







