يوميات الأخبار

فى حضرة الكلمة والذاكرة

د. آمال عثمان
د. آمال عثمان


ربما لم يكن الأب يدرك وقتها أن طفلته الصغيرة التى كانت تراقب هذا المشهد بصمت، سوف تحمل يومًا شغف الكلمة.

هناك لحظات لا تكتسب قيمتها من الحدث ذاته، بقدر ما تأتى من المعنى الإنسانى والوجدانى الذى تحمله فى داخلها.. لحظات يشعر فيها الإنسان بأن بعض التفاصيل القديمة، التى ظنّها يومًا عابرة، كانت تمهّد له الطريق بصمت نحو ما سيصبح جزءًا من قدره المهنى والإنسانى. وتصبح هذه اللحظات أكثر عمقًا حين ترتبط باسم مؤسسة لم تكن مجرد عنوان صحفى حاضر فى الذاكرة، بل جزءًا من التكوين الأول للوعى، وملمحًا ثابتًا من ملامح العلاقة المبكرة بالكلمة والمعرفة واحترام المهنة.

تشرفت وسعدت بتكريمى فى احتفالية «المرأة والكلمة»، ضمن كوكبة من الأستاذات والزميلات اللاتى صنعن حضورهن بالكلمة والموقف والوعى، وهى الاحتفالية التى نظّمتها مؤسسة الأهرام برئاسة الكاتب الصحفى محمد فايز فرحات، ومجلة «البيت» برئاسة الكاتبة والصديقة سوسن مراد عز العرب، فى إطار الاحتفال بمرور مئة وخمسين عامًا على تأسيس مؤسسة ظلّت، لعقود طويلة، واحدة من أهم منارات الصحافة العربية.

الأب وملامح الوعى

وبرغم الظروف الطارئة التى منعتنى من حضور الاحتفالية، وحرمانى من أن أكون جزءًا من هذا المشهد الذى يحتفى بالكلمة وأصحابها، فى حضرة أساتذة المهنة، وبين جدران مؤسسة صنعت تاريخًا طويلًا من الوعى والتنوير، فإن تلك اللحظة ستظل عالقة فى الذاكرة، بما حملته من مشاعر امتزج فيها الامتنان بالسعادة والفخر، وغاب خلالها الحد الفاصل بين الذاكرة الشخصية والرحلة المهنية.

منذ طفولتى، لم تكن الأهرام مجرد جريدة تصل إلى المنزل كل صباح، بل كانت طقسًا يوميًا ثابتًا ارتبط فى وجدانى بصورة والدى رحمه الله، وتشكلت معها ملامح الوعى الأولى، وعلاقتى المبكرة بالكلمة والمعرفة واحترام المهنة، على يدى أبٍ يؤمن بأن القراءة ليست ترفًا، بل إحدى وسائل بناء الإنسان.

ورغم أنه كان يقضى أغلب يومه بين الرسومات الهندسية ومواقع المشروعات، فإنه كان يقرأ الأهرام بعين الباحث الشغوف، والمطمئن إلى مصداقية الكلمة ورصانتها، وكأن بينه وبين هذه الجريدة عهدًا قديمًا لا يهتز. وربما لم يكن يدرك وقتها أن طفلته الصغيرة، التى تراقب هذا المشهد بصمت، سوف تحمل يومًا شغف الكلمة، وتنحاز إلى عالم الصحافة من بوابة الإيمان بقيمة الوعى ودور القلم فى تشكيل الوجدان.

أخبار اليوم.. مدرسة العمر

ومع امتداد تلك السنوات المبكرة، بدأ الإحساس بالكلمة يتخذ شكلًا أكثر نضجًا ورسوخًا، باعتبارها مسئولية وأثرًا يبقى. ثم جاءت التجربة المهنية، لتمنح هذا الوعى شكله الحقيقى داخل أخبار اليوم، التى كانت بيتى المهنى والإنسانى، ومدرستى الحقيقية فى الصحافة. هناك تشكلت خبراتى وأحلامى، وتكوّنت ملامح طريقتى فى النظر إلى الناس والحياة. وأدركت أن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل مسئولية أخلاقية ورسالة وعى.

وتعلمت أن قيمة الصحفى لا تُقاس فقط بما يكتبه، بل بقدرته على احترام عقل القارئ، والانحياز للحقيقة، والاقتراب من نبض المجتمع.

تعلمت على أيدى أساتذة كبار آمنوا بالموهبة، ومنحوا الفرصة، وفتحوا أبواب الحلم قبل أن تكتمل ملامحه. ولذلك، فإن أى تكريم أحصل عليه اليوم، أحمله فى داخلى باعتباره ثمرة رحلة طويلة، كان لـ «أخبار اليوم» العريقة، ولكل أساتذتى فيها، فضل كبير فى تشكيل ملامحها ودعم خطواتى خلالها.

فكرة نبيلة وبُعد حضارى

يزداد هذا التكريم قيمةً لأنه يأتى من مؤسسة الأهرام، فى مناسبة استثنائية تحمل دلالات خاصة فى وجدان كل صحفى. فمائة وخمسون عامًا ليست مجرد رقم فى عمر هذا الصرح العريق، الذى ظل، عبر تاريخه الطويل، واحدًا من أهم حراس الكلمة والوعى، وشريكًا أصيلًا فى تشكيل العقل المصرى والعربى.

لذا، أجدنى اليوم ممتنةً لكل القائمين على هذه الفكرة النبيلة، فتكريم الصحفيات الرائدات وصاحبات القلم فى هذه المناسبة الاستثنائية يُمثل تجسيدًا راقيًا لبُعد حضارى وإنسانى يليق بتاريخ هذه المؤسسة العريقة، ويعكس بوضوح إيمانًا عميقًا بدور المرأة وتقدير إسهاماتها فى معارك تشكيل الوعى وصناعة الكلمة.

كما أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى المهندس عبد الصادق الشوربجى، رئيس الهيئة الوطنية للصحافة ورئيس لجنة الاختيار، على هذه اللفتة الراقية، وإلى الزميل والصديق العزيز د.أسامة السعيد، رئيس تحرير الأخبار وعضو لجنة الاختيار، الذى جمع، فى تقديرى، بين تفرّد الموهبة ونُبل الأخلاق، فكان دائمًا نموذجًا يُحتذى فى المهنية والاحترام.

وكل الامتنان للزملاء والأصدقاء أعضاء لجنة الاختيار، على هذا التقدير الذى أعتز به كثيرًا، كما أتوجه بشكر خاص إلى الكاتب الصحفى إسلام عفيفى، رئيس مجلس إدارة أخبار اليوم، لتفضله باستلام التكريم فى الحفل نيابةً عنى، فى لفتة أقدّرها بكل المحبة والامتنان.

إن اختيارى ضمن هذه الكوكبة من رائدات الصحافة المصرية يمثل وسامًا أعتز به كثيرًا، وعلامة مضيئة فى رحلة أعتز بها، خاصةً أن هذا التقدير يأتى من هذا الصرح الذى ظل جزءًا أصيلًا من تكوينى ووجدانى، ولهذا، أعد أصحاب هذا الاختيار الكريم بأن يظل التقدير بالنسبة لى مسئولية أخلاقية ومهنية قبل أن يكون تكريمًا، ودافعًا لمزيد من الالتزام تجاه مهنتى، وتجاه الكلمة التى اخترنا أن نكون فى خدمتها، إيمانًا بدورها فى حماية الوعى، واحترام عقل القارئ، وصون قيمة الحقيقة.

ذاكرة تُرعب إسرائيل

فى لحظةٍ بدت فيها المذيعة العبرية وكأنها تنتظر حديثًا تقليديًا عن التوازنات العسكرية أو الحسابات الأمنية، خرجت الدبلوماسية الإسرائيلية السابقة «روث واسرمان لاندى» باعترافٍ صريح، كشف ما تعجز التقارير الأمنية عن قوله. فلم يكن مصدر القلق الأكبر بالنسبة لها هو الصواريخ أو النووى الإيرانى، ولا حتى المناورات العسكرية المصرية بما تحمله من رسائل ردع واضحة، بل كان شيئًا آخر أكثر رسوخًا وأعمق أثرًا: الكراهية الشعبية المصرية لإسرائيل.

حديث واسرمان لم يكن انفعالًا عابرًا على شاشة التليفزيون، بل بدا أشبه بقراءة مرعبة لواقعٍ تدركه المؤسسة الإسرائيلية جيدًا، وتحاول تجاهله إعلاميًا. بدت وكأنها تكشف ما تخفيه تل أبيب خلف بياناتها الرسمية. فقد أقرت بأن أكثر ما يُرعب تل أبيب، هو وجود أكثر من مئة وعشرين مليون إنسان على حدودها، يحملون لها مشاعر عداء عميقة، رغم عقودٍ من السلام الرسمى ومحاولات التطبيع السياسى والإعلامى.

لم تتحدث عن خلاف سياسى مؤقت، وإنما عن وجدان شعبى تراكم عبر عقود من الدم، والحروب، والانحياز الإسرائيلى المستمر ضد الحقوق العربية والفلسطينية. 

ذلك الاعتراف بدا أشبه بصفعةٍ على وجه الوهم الإسرائيلى، الذى راهن طويلًا على أن الزمن قادر على إضعاف الذاكرة العربية، وأن الأجيال الجديدة قد تنسى الدماء الفلسطينية والحروب والانتهاكات اليومية.

 لقد أدركت الدبلوماسية الإسرائيلية التى عاشت سنوات فى مصر أن المصرى قد يختلف مع إيران مذهبيًا وسياسيًا، وقد ينتقد سياساتها الإقليمية، لكنه فى لحظة الصدام مع إسرائيل ينحاز إلى كل من يقف ضد الاحتلال، أو يتحدى غرورها العسكرى. هنا تحديدًا تكمن العقدة التى تُربك عقل صُنّاع القرار فى تل أبيب. 

لهذا لم يكن تصريح واسرمان مجرد رأى عابر، بل اعترافًا بمأزق أعمق، ربما نجحت فى عقد اتفاقات، وبناء تحالفات، واختراق أنظمة سياسية، لكنها فشلت فى حسم المعركة الأهم: معركة القبول الشعبى. فالاتفاقات قد تُجمّد الصراع، والسياسة قد تُدير المصالح، لكنها لا تستطيع اقتلاع الذاكرة من وجدان الشعوب.