حين يتحول اليأس إلى سوق للوهم| العلم الزائف يطرق أبواب المرضى

صورة لنفسه على هيئة السيد المسيح يشفى مريضا
صورة لنفسه على هيئة السيد المسيح يشفى مريضا


 

العلوم الإنسانية الغائبة.. الحلقة المفقودة فى المواجهة 

بالعلم والقانون.. الصين تبنى جداراً ضد الخرافة الطبية 
 

عندما تعرض ترامب للانتقاد حين نشر صورة لنفسه على هيئة السيد المسيح يشفى مريضا، دافع عن نفسه قائلا إنه كان يصور نفسه كطبيب معالج. فالطب والعلاج من أكثر المهن احتراما، لأن المرض هو أشد الأحداث تدميرا للروح والجسد، والصحة هى أهم كنز.

لهذا السبب ستجد فى العاملين فى مجال الصحة بعضا من أذكى وأمهر الأطباء والعلماء والممرضين، وأكثرهم إخلاصا لمهنتهم ونفعا للناس.

ستجد أيضا أكثر الأشخاص جشعا للمال من الانتهازيين الذين يستغلون أمراض الفقراء وضعفهم لبيعهم «دواء» ضار أو عديم الفائدة. وعندما تجتمع الموارد المحدودة والتعليم الضعيف مع الاحتياجات اليائسة، يزدهر الإيمان بالخوارق والمعجزات والطرق المختصرة طلبا للشفاء.

اللغط الحالى الدائر فى مصر حول الطب، والطب البديل، وانتشار العلم الزائف أحدث اضطرابات فى البحيرة الراكدة، وهو أمر محمود. العلم الزائف ليس ظاهرة جديدة، بل هو متجذر بعمق فى المجتمع، ليس فقط فى مصر، بل فى جميع أنحاء العالم تقريبا. ولكن، يكثر أتباعه فى مجتمعات غير متعلمة، ويزدهر فى بيئات سلمت عقولها وإرادتها لأى شخص يمنحها الأمل ويعد بعلاج فورى وسهل ومضمون.

تماما كما أن الجسم الضعيف معرض للأمراض التى تغزوه بسهولة، فإن المجتمع الضعيف هو أرض خصبة للعلوم الزائفة، والممارسات التى تخدع المرضى والضعفاء.
فى المجتمعات الأكثر تقدما حيث تطبق أساسيات العدالة الاجتماعية جنبا إلى جنب مع تعاليم الطب القائم على الأدلة، يتمتع الجميع بالرعاية الصحية والتعليم. الرعاية الصحية المبنية على الطب القائم على الأدلة، والتعليم الجيد الذى يدعم الفضول والتفكير النقدي. العدالة الاجتماعية تضمن أن الأطباء المدربين والمستشفيات المجهزة تجهيزا جيدا متاحة للجميع برسوم رمزية معقولة.

والتعليم الجيد يضمن تدريب عقول الطلاب النامية على التساؤل والنقد والنقاش. والتعليم الجيد لا يقتصر على العلوم الطبيعية والرياضيات والهندسة، بل يعطى وزنا متساويا للعلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية والفنون، للتدريب على التفكير المنطقى ودراسة الفلسفة والتاريخ والأدب والدراسات المقارنة، التى تغذى العقول وتنميها، وتحمى النشء من الانسياق الأعمى خلف ما تلقيه عليهم وسائل الإعلام.

طب الأدلة 

 فما هو الطب القائم على الأدلة؟ هو نظام منهجى فى الممارسة الطبية يتبع معايير البحث العلمى المقبولة، مثل المنهجية، وقابلية الاختبار، والمراجعة من قبل الأقران، وهو يهدف إلى اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن رعاية المرضى تهدف الى تحسين نتائج العلاج وجودة الرعاية الصحية. الطب القائم على الأدلة يشترط وجود أفضل البراهين المتاحة التى جمعت من نتائج بحثية جيدة التنفيذ فى مراكز علمية عديدة ومختلفة، تلعب فيه الخبرة والمهارات الطبية دورا حيويا، وتؤخذ ظروف المرضى الشخصية فى الاعتبار عند اتخاذ القرار.

أما العلم الزائف فليس مدعوما بالأدلة، بل بمزيج من أمثلة منتقاة من تجارب شخصية، ومصطلحات متكلفة، واقتباسات أجنبية عشوائية، ومعجون بخليط من السياق الدينى والثقافى المناسب، لذلك فالعلوم الزائفة لا تصبر على النقد، ولا تصمد للتمحيص، وتروج لطريقة تفكير مبسطة ومختزلة وغالبا ما تناقض نتائجها المبادئ العلمية الراسخة.

لنأخذ مثالا «عسل النحل». سيقوم الطب المبنى على الأدلة باختبار العسل على الخلايا فى المختبر، وعلى الحيوانات، وعلى البشر. سيتم جمع البيانات الرقمية المجمعة من مختبرات ودراسات مختلفة وتحليلها ونشرها فى مجلات علمية محكمة المراجعة. ستوصى البيانات باستخدام منتجات العسل الطبية فى علاج الجروح والحروق الطفيفة، بسبب خصائصه المضادة للالتهابات والميكروبات. ستظهر الدراسات أيضا أن العسل يحتوى سعرات حرارية عالية، ويرفع سكر الدم بسرعة، لذلك يجب على مرضى السكرى تجنبه. أيضا، الأطفال الذين تقل أعمارهم عن سنة لا يمكنهم تناول العسل لأنه قد يسبب مرضا شديدا يسمى التسمم الرضعي.

أما العلم الزائف فسيعمم فوائد العسل، ويخبرك أنه يمكنك تناوله فى أى وقت وبأى شكل، وأنه سيشفى جميع الأمراض من الالتهاب إلى السرطان، وأن مرضى السكرى يمكنهم تناوله دون مشاكل. العلماء الزائفون سيستخدمون مزيجا من الأدلة الشخصية، وبعض الأدلة العلمية، ويعتمدون كثيرا على القيم الدينية والثقافية بدعوى أن العسل مادة طبيعية ومفيدة وليس لها أى أضرار.

عادة ما يتجنب العلم الزائف الأرقام والبيانات المعقدة ويستخدم بدلا من ذلك الأدلة القصصية، كما يفضل التعميم على التفصيل، والإيمان المطلق الأعمى وليس التقييم النقدي. بذلك يجتذب العلم الزائف الكثير من العقول المستعدة لقبول هذا اللغو، فالعلوم الزائفة جذابة لأنها سريعة وسهلة ورخيصة و»مضمونة». إنها المنقذ لأولئك الذين يئسوا من الطب الحقيقى لأنه بطيء، ناقص، مكلف وليس مضمونا.

لماذا ينتشر فى مصر؟

 لقد كان المصريون يقدرون التعليم دائمًا. يوجد فى مصر ما يقرب من 4 ملايين طالب وطالبة فى التعليم العالي، وهو أحد أعلى المعدلات فى إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط. وعلى الرغم من كل الصعوبات المالية، فحتى أفقر أم فى المناطق النائية تقتطع من طعام أسرتها لدفع تكاليف الدروس الخصوصية لأطفالها. فى هذا البلد الذى يتمتع بأقدم حضارة وأعلى احترام للعلم والتعليم، لماذا ينتشر العلم الزائف ويزدهر؟

على مر السنين، تدهورت جودة التعليم بشكل كبير فى معظم المدارس والجامعات المصرية، وازدهرت الممارسات السيئة للغاية مثل الغش والانتحال العلمى وتم الترويج لها فى وسائل الإعلام لدرجة أن أنجح الأفلام الحديثة تبجل الغش والبرشام. لقد ملأت وسائل الإعلام الرسمية ووسائل التواصل الاجتماعى هذا الفراغ الذى خلفه غياب التعليم المحترم و القيم السامية وامتلأ الفضاء الإعلامى برسائل موجهة إلى العقول البسيطة تروج للغيبيات بدلاً من الأخبار الأصلية والتحليلات الحقيقية. 

لا تزدهر العلوم الزائفة إلا فى البيئة المناسبة، بيئة لا تشجع بعض وسائل الإعلام فيها المنهج العلمى والتفكير النقدى ولا تحتفل بالكتاب والعلماء والعقول العظيمة وتتجاهل تغطية الأحداث والاكتشافات العلمية المهمة، أو التحليل العميق للقضايا الوطنية والمجتمعية الهامة والعاجلة. حيث تطفو الأمور التافهة وتملأ صفحة تلو الأخرى بأخبار حظك اليوم ونجوم الرياضة وجنازة ابن خالة ممثل مغمور والسعر اليومى للذهب فى كل دولة فى العالم. بذلك فإنها تشارك بشكل كبير فى نشر العلوم الزائفة. ففى مجتمع أضحى فيه المواطن أكثر فقراً وأقل تعليماً، فإنه يرغب فى الإيمان بحلول سحرية سهلة لمشاكله، لأن الطريق إلى العلم الحقيقى طويل ومتعرج وملىء بالمصاعب والتكلفة العالية.

طرق متنوعة للوقاية

لكن العلم الزائف هو مرض بينما يصعب علاجه، يسهل الوقاية منه. مثل الفيروس الضعيف، سيقاتله الجسم القوى بسرعة ويقضى عليه، لكن الجسم الضعيف سيقع فريسة له. عند الإصابة به، يسبب عدة أعراض، تتراوح بين الأذى الخفيف والموت. ومع ذلك، فإن انتشاره فى المجتمعات يضعف هذه المجتمعات، ويؤثر على صحتها ورفاهيتها، جسديا ونفسيا.

لذلك فالعديد من دول الشرق والغرب حاربت العلوم الزائفة بمنظومة من القوانين والإجراءات التى تهدف للقضاء على هذه الممارسات، فأجرت الصين مثلا إصلاحات شاملة على  أنظمة  جوائز العلوم والتكنولوجيا الوطنية للحد من التحيز وزيادة الشفافية بهدف إصلاح النزاهة الأكاديمية ومكافحة الاحتيال العلمي.

كذلك، عززت الرقابة التنظيمية بسن قانون يحظر إعلان المعلومات الكاذبة أو المضللة، ويستهدف العلاجات الزائفة والممارسات الاحتيالية، لا سيما فى المناطق الريفية. وشنت حملات صارمة على المحتالين والاحتيال فى المنتجات الصحية، مثل علاجات «الفاصوليا الخضراء» وخلال جائحة كوفيد-19، أطلقت الجمعية الصينية للعلوم والتكنولوجيا منصات مثل «حقائق علمية» لتفنيد الخرافات الطبية، والنظريات غير العلمية والتى حظيت بأكثر من مليارى مشاهدة.

كذلك، عنيت الدول بتوفير التربة الصحية للتعليم والتربية السليمة، التى تمنع انتشارالعلوم الزائفة واختراقها. وفى الصين، تم إعطاء قيمة عالية للعلوم الاجتماعية والإنسانية، وهى العلوم الأصلية التى تدرس وتقيم السلوك البشري، بتحديد الاقتصاد والتعليم والعلوم السياسية باعتبارها التخصصات الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية.

فى مصر، لدينا تدهور كبير فى العلوم الاجتماعية والإنسانية، فى حين أننا لا نزال نقدر العلوم الطبيعية والتكنولوجيا، الى حد ما. لكننا لا نوالى نفس الاهتمام  للعلوم الاجتماعية والإنسانية.

وهكذا نجد ممارسات ضارة للغاية مثل انتشارالعنف ضد النساء والأطفال، والغش، والرشوة، وإدمان الإنترنت، وتدمير الطبيعة والبيئة، والتلوث البيئى والسمعي، دون أى جهد جاد فى التحليل العلمى لهذه الممارسات، باستخدام أدوات البحث العلمى وتحليل البيانات لإيجاد الحلول لها. وضخ التمويل الكافى فى البحث العلمى الذى يبحث عن الأسباب ويقدم الحلول القابلة للتطبيق.

فالوقاية من العلوم الزائفة تتم من خلال إعداد العقول وبنائها، لتقييم كل ما يمس صحتها ورفاهيتها بشكل نقدي. وتخصيص الموارد الكافية لتعزيز أساسيات الصحة والرفاهية باعلاء قيمة العلم والبحث العلمي، والنظر فى هذه المجالات ذات الأولوية للبحث والتمويل العلمى مثل الصحة الوقائية، التعليم، العلوم الاجتماعية، العلوم الإنسانية والفنون، إن هذه الجهود الرامية إلى تحقيق علوم مفيدة جادة سوف تجد طريقها إلى المجتمع عن طريق وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، كما هى الحال مع المجتمعات الأكثر تقدما فى شرق آسيا وشمال أوروبا، وبشكل متزايد فى بلدان أخرى فى إفريقيا والأمريكتين.

د.نجوى البدرى 

مؤسسة برنامج العلوم الطبية الحيوية ومديرة مركز التميز

للخلايا الجذعية والطب التجديدى بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا