«عاد صدى تلك الذكريات الاستثنائية مع زيارة الرئيس الفنلندى ألكسندر ستوب إلى مصر.. لتفتح صفحة جديدة فى العلاقات الثنائية بين بلدينا» .
مصر وفنلندا
اليوم.. استعدت صدى ذكريات لم أنسها أبداً مع زيارة الرئيس الفنلندى ألكسندر ستوب إلى مصر الشهر الماضى أبريل.. الذى جاء إلى القاهرة بدعوة من الرئيس عبدالفتاح السيسي.. ليفتح صفحة جديدة فى العلاقات الثنائية بين بلدينا.. فنلندا بثقافة إسكندينافية مختلفة تماماً عن مصر وحضارتها ومنطقة الشرق الأوسط كله..! .. منذ استقلال فنلندا عام ١٩١٧.. كانت العلاقات دبلوماسية هادئة.. لكنها اليوم تشهد تقارباً ملموساً.. اتفاقيات تجارية فى مجال الطاقة المتجددة.. تعاون فى التعليم حيث ترسل فنلندا خبراء إلى مدارسنا.. ومشاريع بيئية مشتركة لمواجهة تغير المناخ الذى يهدد نيلنا وغاباتهم.. زيارة الرئيس الفنلندى ليست مجرد بروتوكول.. إنها جسر يربط بين ثلج هلسنكى ورمال الغردقة.. بين تقنياتهم الرقمية وشبابنا الطموح.. تتجاوز قيمة التجارة السنوية المليار يورو.. مع تركيز على الاستثمارات فى الذكاء الاصطناعى والزراعة المستدامة.. كما أكدت بيانات الخارجية المصرية الأخيرة..
أول مهمة صحفية !
أقول إستعدت ذكريات صباح ذلك الشتاء قارس البرودة.. منذ سنوات طوال جاوزت الثلاثين عاماً.. حيث هبطت طائرتى فى مطار مدينة هلسنكى عاصمة فنلندا فى أقصى شمال الكرة الأرضية.. حملت حقيبتى الصحفية الثقيلة.. وقلماً يرتجف ليس فقط من برودة الشمال، ولكن أيضاً من هيبة التجربة التى كانت الأولى فى حياتى الصحفية!.. زيارتى إلى فنلندا كانت بدعوة من السفارة الفنلندية بالقاهرة، لإجراء لقاءات مع عدد من المسئولين، ولتغطية سياحية فريدة من نوعها فى مختلف مدن البلاد!.. تخيل معي: السماء رمادية كصفحة جريدة قديمة.. والثلوج تغطى الأرض بطبقة بيضاء نقية.. تتساقط بصمت كأنه يهمس بأسرار الغابات الخضراء الخفية تحتها.. فقد كنا فى بدايات شهر ديسمبر.. مرافقتى طوال الرحلة كانت سيدة بدت فى أواخر الحلقة الرابعة من عمرها تعمل بوزارة الخارجية تدعى «أولا» جميلة، بشرتها بيضاء ناصعة البياض وعيناها سوداوان.. ممتلئة وطويلة.. شعرها الأسود الناعم كالحرير أضفى عليها لمسة وقار خاص.. أحببتها كثيراً، وأحبتنى هى أيضاً، لدرجة أنها روت لى بعضاً عن حياتها الشخصية.. فلم يرزقها الله بأبناء.. غير أنها تعيش سعيدة مع زوجها مهندس البترول.. ربطتنى علاقة صداقة بأولا إلى درجة أنها دعتنى على العشاء فى بيتها خارج برنامج زيارتي.. وعرضت استضافتى ومد إقامتى فى بلادها، حتى تتاح لى الفرصة لزيارة بعض المواقع الأخرى.. حدثتها كثيراً عن مصر وحضارتنا العظيمة إلى درجة أن أصبحت أمنياتها أن تزور القاهرة لترى أهرامات الجيزة، وتستمتع بشمس مصر ودفئها، وممارسة هواية الغطس فى البحر الأحمر بمدينة الغردقة أو شرم الشيخ..
تبديد غربتى !
كان لـ «أولا» الفضل فى تبديد غربتى ومخاوفى فى مهمتى الصحفية.. حيث رافقتنى فى شوارع هلسنكى هذه المدينة الهادئة التى تتنفس الصمت.. رغم البرد الشديد يسير الناس على دراجاتهم متدثرين فى معاطفهم، ولا يظهر من وجوههم إلا عيونهم.. وقد أعارتنى أولا قبعة صوفية ومعطفاً محشواً بفراء الدب تعبيراً عن الاهتمام الزائد بى والخوف من إصابتى بالأنفلونزا اللعينة، حيث كانت درجات الحرارة تشير إلى أربعين تحت الصفر، ويُنصح بعدم السير على الأقدام أكثر من عشر دقائق، تجنباً لعواقب التجمد!!.. والشوارع كانت تبدو خالية تقريباً إلا من نهار قصير جداً يضئ كالنيون الأزرق يشبه النجوم الـمصطنعة.. فالنهار هنا يطل على استحياء ويستمر فقط ساعتين عند أقصى تقدير !.. زرت متحف «ألتو» ذلك القصر الثلجى الذى يشبه قصراً من حكايات الجن.. وتذوقت القهوة الساخنة فى مقهى صغير يطل على بحر البلطيق المتجمد.. محتسية دفئها وأنا أفكر فى أجواء القاهرة الحارة!..
القطب الشمالى !
تلك الزيارة لم تكن مجرد تغطية إخبارية.. بل كانت لقاء مع ثقافة تختلف جذرياً عن عالمنا.. فالفنلنديون يعشقون الصمت.. يبنون سعادتهم على الطبيعة والتعليم.. ويحولون الشتاء الطويل إلى فرصة للابتكار.. تذكرت كيف وقفت أمام تمثال سيبيليوس.. ذلك الجبل الزجاجى المتعرج الذى يرمز إلى موسيقى الرياح الشمالية، وشعرت بأننى أقف على حافة عالمين: عالمنا الجنوبى الدافئ مليء بالألوان والضجيج.. وعالمهم البارد المنظم.. كتبت مقالاتى هناك عن الاستدامة البيئية.. ولقائى المُميز مع وزيرة الدفاع، وكان وقتها بالنسبة لى إنجازاً أن تتولى امرأة هذا المنصب الحساس!.. ثم مع وزير الخارجية وغيرهما.. لكن قلبى كان يخفق بذكريات ليلة قضيتها فى ساونا تقليدية، حيث يذيب البخار الجليد داخل الروح، ووجبة من سمك السالمون المدخن مع الخبز الأسود، تذكرنى بطعم الفول المدمس فى أزقة أحيائنا الشعبية!.. وكانت المفاجأة عندما ركبنا السيارة عدة كيلومترات لنزور مدينة «روڤانيمي» فى القطب الشمالي، ولقاء «سانتا كلاوس» ، فهذه المدينة الصغيرة النائية على قمة الكرة الأرضية هى مسقط رأس بابا نويل، وهى صاحبة ابتكار هذه الشخصية التى أصبحت تراثية وتدخل البهجة والسعادة فى نفوس الأطفال والكبار فى ليالى الاحتفالات بأعياد الكريسماس!..
فنلندا السعيدة !
فى تلك الزيارة الأولى.. تعلمت أن التقارب ليس مصادفة.. إنه نتاج فهم مُتبادل.. فنلندا.. أكثر الدول سعادة حسب مؤشرات الأمم المتحدة.. تقدم لنا نموذجاً فى الشفافية والابتكار.. بينما تقدم مصر.. أم الحضارات تراثاً ثقافياً وبازاراً اقتصادياً يجذب الشمال.. زيارة الرئيس ألكسندر ستوب اليوم تذكرنى بأن الذكريات الشخصية هى بذور الدبلوماسية.. من لقائى الأول بـ «أولا» صديقتى الفنلندية الغالية، وهى تشرح لى فن السعى فى الثلج والتزلج على الجليد.. إلى اتفاقيات اليوم التى ستغير وجه الشراكة.. ربما يأتى يوم أزور فيه هلسنكى مرة أخرى.. لكن هذه المرة ستكون التجربة مختلفة.. والوصف مغايراً.. فالأولى كانت فى مقتبل العمر والتطلع إلى المستقبل، أما اليوم فقد غزا الشيب شعر الرأس!.. ربما يلتقى الثلج بالنيل فى احتفال بالمستقبل المشترك!
المطبخ التركى !
فى أمسية امتزج فيها الأريج والتأمل.. احتفل السفير التركى العزيز صالح موتلو شن بأسبوع المطبخ التركى فى القاهرة، بدعوة أمست نسمة من عبق إسطنبول على ضفاف النيل.. جمع العشاء نخبة من المثقفين والمفكرين والإعلاميين، فكانت المائدة مسرحاً لحكايات مطبخ عمره قرون من البساطة الرشيقة لطبق «الشوربة» إلى المحشى أو «الضلمة»، إلى فخامة «اللحم الملدود» المطهو على نار الذاكرة..
المطبخ التركى ليس مجرد خلط مكونات.. بل ثقافة تغذى الحواس والذاكرة.. يبدأ اليوم بفنجان قهوة مرّ يشهد عليه تاريخ ويمتد إلى سفرة غنية بالمتنوع سلطات تباغتها نكهات البقدونس والليمون.. ترافقها البقلاوة أو «البكلاڤا» كما ينطقها الأتراك، بطبقاتها المقرمشة، وشراب العسل الذى يذكر بالاحتفالات.. كل طبق يروى قصة إقليم.. تقليد أو طريق قديم عبر الحرير والتوابل!..
فى تلك الأمسية الرائعة لم تكن الأطباق مجرد أطعمة، بل رسائل: تواصل ناعم بين شعبين.. دعوة لفهم مشترك عبر مذاق.. رحّب الحضور بالأطباق كما يرحبون بفكرة: فتذوقوا ليس فقط طعامًا بل تاريخًا وحرفة وفناً.. وغادر الضيوف وقد حملوا معهم رائحة بهارات تركية، وطيفاً من الحكايات مؤكدين أن الطعم قادر على بناء جسور أكثر متانة من الكلمات!..
من أقوال سارتر !
من بين الفلاسفة والمفكرين الفرنسيين الوجوديين جون بول سارتر وقد اخترت هذه الأقوال المأثورة من كلماته :
-الوجود يسبق ويحكم الجوهر !
-إما الأنا وإما الآخر !
-على المرء أن يظهر قوته حتى لا يكون مضطراً لاستعمالها.!

حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين
سفارى قتل البشر







