إنها مصر

«الدلتا الجديدة».. الصحراء تصنع حياة!

كرم جبر
كرم جبر


مشروع «الدلتا الجديدة» الذى افتتحه الرئيس أول أمس، طوق نجاة لواقع يفرض نفسه، فالوادى القديم لم يعد قادراً على تلبية احتياجات الانفجار السكانى المتزايد، وكان الحل هو اقتحام الصحراء.
الأرقام كثيرة، وفى زحمة التفاصيل أُلخص ما يلى:
اولا: تتجلى الأهمية الاقتصادية للمشروع فى حجم الاستثمارات الضخمة، إذ تبلغ تكلفة الأعمال المُنفذة قرابة ٨٠٠ مليار جنيه، ويتجاوز العائد الاستراتيجى المُتوقع الحسابات التقليدية، لأنه يرتبط بتقليل الاعتماد على الخارج، وتأمين احتياجات الداخل، فى ظل أزمات عالمية متلاحقة، أثبتت أن الغذاء بات جزءاً من الأمن القومى.
ثانيا: يشهد هذا الشريان التنموى تعاوناً واسعاً بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، بمشاركة ١٥٠ شركة فى قطاع الإنتاج الزراعى، بجانب مئات الشركات العاملة فى الخدمات والنقل واللوجستيات، وهذه الشراكة تعكس إدراكاً متزايداً بأن التنمية الحقيقية لا تُبنى بالجهد الحكومى فقط ، وإنما بتكامل الأدوار بين الدولة ورأس المال الوطنى.
ثالثا: لم يتوقف المشروع عند حدود الزراعة، وامتد ليؤسس بنية تحتية ضخمة شملت إنشاء شبكة طرق جديدة بطول يصل إلى ١٢ ألف كيلومتر، للربط بين مناطق الإنتاج الجديدة بالموانئ والأسواق والمحافظات المختلفة، وهذه النقطة تحديداً تحمل بعداً اقتصادياً مهماً، لأن نجاح أى مشروع زراعى لا يعتمد فقط على الإنتاج، بل على كفاءة النقل وسرعة التداول وتقليل الفاقد.
رابعا: التحدى الأكبر الذى واجه المشروع هو المياه، لرى نحو ٢.٢ مليون فدان فى بيئة صحراوية قاسية، ولجأت الدولة إلى حلول غير تقليدية، بإعادة تدوير مياه الصرف الزراعى بمعالجة ثلاثية متطورة، لتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة، فى ظل التحديات المائية التى تواجهها مصر.
ويمثل إنشاء المسارين المائيين الشمالى والشرقى بطول ١٥٠ كيلومتراً لكل منهما إنجازاً هندسياً، يتمثل فى نقل المياه عكس الانحدار الطبيعى للأرض، وهو ما استدعى إنشاء محطات رفع عملاقة ومحطات كهرباء متخصصة.
خامسا: تقوم فلسفة «الدلتا الجديدة» على رؤية أكثر ذكاء، عبر تحقيق التكامل بين الأراضى القديمة والجديدة، فبينما تستمر أراضى الوادى والدلتا فى إنتاج المحاصيل التقليدية، ذات الكثافة العالية مثل: القمح والذرة، يتم توجيه الأراضى الصحراوية للمحاصيل الأكثر ملاءمة للبيئة الجافة، مثل: البنجر وبعض الزراعات التصديرية، وهو ما يعظم العائد الاقتصادى ويحقق أفضل استخدام مُمكن للمياه والتربة.
سادسا: على المستوى الاجتماعى، يحمل المشروع بعداً لا يقل أهمية عن البعد الاقتصادى، إذ يوفر نحو مليونى فرصة عمل مستدامة، بما يسهم فى تخفيف معدلات البطالة وخلق مجتمعات عمرانية وإنتاجية جديدة، خارج نطاق الوادى الضيق، ويفتح الباب أمام صناعات غذائية قادرة على خلق قيمة مُضافة حقيقية للاقتصاد المصرى.
فى النهاية، تبدو «الدلتا الجديدة» أكثر من مجرد مشروع زراعي، إنها رسالة بأن الدولة اختارت مواجهة التحديات، بسياسات توسعية وطموحات كبيرة، وأن معركة التنمية فى مصر، لم تعد تقتصر على البناء داخل الحدود التقليدية، بل تمتد إلى صناعة مساحات جديدة للحياة والإنتاج والأمل.