لأنها أم البنات زوجها حول الحياة إلى جحيم

نورهان: أعيش فى بيت بلا أمان .. فطلبت الخلع لأنقذ بناتى

صورة تعبرية
صورة تعبرية


رغم ما يؤكده العلم من أن تحديد نوع الجنين لا يرتبط بالمرأة وإنما تتحكم فيه جينات الرجل، لا تزال بعض الممارسات المجتمعية تُحمّل الزوجة وحدها مسئولية إنجاب الذكور، وهو ما يفتح الباب أمام أشكال متعددة من العنف والتمييز داخل الحياة الزوجية.

وفي واحدة من القضايا التي نظرتها محكمة الأسرة، قررت سيدة في العقد الثالث من عمرها إنهاء حياتها الزوجية، بعد سنوات من التعرض للعنف النفسي واللفظي، بسبب إنجابها ثلاث إناث، ورفض زوجها تقبّل الأمر، بل ومعاقبتها عليه، مزيد من التفاصيل فى السطور التالية.

تروي السيدة التي تحفظت على ذكر اسمها بالكامل واكتفت بالاسم الأول «نورهان»، أنها تزوجت منذ ما يقرب من خمس سنوات، وكانت تأمل في بناء أسرة مستقرة يسودها الهدوء والتفاهم.

ومع بداية حياتهما، أنجبت طفلتها الأولى، لتلاحظ تغيرًا تدريجيًا في سلوك زوجها، الذي أبدى استياءً غير مباشر لعدم إنجاب ذكر ومع تكرار إنجاب الإناث، بدأت التعليقات تتحول إلى عبارات لوم صريحة، تحملها مسئولية أمر خارج عن إرادتها.

وأكدت الزوجة؛ أن هذه التعليقات لم تكن عابرة، بل تحولت مع الوقت إلى سلوك دائم، أثر بشكل مباشر على طبيعة العلاقة بينهما.

وبمرور الوقت– والكلام على لسان الزوجة - لم تقتصر معاناتي على الضغوط النفسية فقط، بل تطورت إلى تعرضي لأنماط من العنف الأسري، حيث اعتاد الزوج توبيخي بشكل مستمر، والتقليل مني أمام الآخرين، إلى جانب معاملتي بجفاء وقسوة داخل المنزل.

وأوضحت؛ أن الإهانات اللفظية كانت تتكرر بشكل يومي تقريبًا، هذا غير مواجهتي باتهامات دائمة بأنني السبب في «عدم إنجاب ولد»، وهو ما خلق بيئة غير مستقرة نفسيًا لي ولبناتي.

وأضافت؛ أن سلوك الزوج ازداد حدة بعد إنجاب الطفلة الثالثة، حيث بات أكثر عنفًا في حديثه، وأقل اهتمامًا بوجوده داخل الأسرة، مع استمرار توجيه اللوم والإهانة.

ولم يتوقف الأمر عند حدود العنف النفسي؛ إذ أشارت الزوجة إلى أن الزوج امتنع عن الإنفاق عليها وعلى بناته، في خطوة اعتبرتها وسيلة ضغط إضافية، رغم احتياج الأطفال لمتطلبات أساسية.

الأمر الذي اضطرني إلى العمل لتوفير احتياجات بناتي، في ظل تخلي الأب عن دوره، رغم أنني حاولت مرارًا احتواء الموقف والحفاظ على الأسرة، إلا أن جميع محاولاتي قوبلت بالرفض والتجاهل.

لحظة القرار

ومع استمرار العنف اللفظي والتوبيخ، إلى جانب الإهمال المادي، وصلت الزوجة إلى قناعة باستحالة استمرار الحياة الزوجية، خاصة في ظل غياب أي شعور بالأمان أو التقدير.

وقررت اللجوء إلى القضاء، طلبت من محاميتها نهى الجندي رفع دعوى خُلع، مبررة ذلك بما تعرضت له من ضرر نفسي ومادي على مدار سنوات.

وفي هذا الإطار، تحدثنا مع المحامية نهى الجندي التي أكدت لنا؛ أن العنف الأسري، سواء كان جسديًا أو لفظيًا أو نفسيًا، يُعد من أبرز صور الضرر التي تبيح للزوجة طلب الطلاق، حيث تأخذ المحاكم بهذه الوقائع لما تمثله من إخلال بالأمان داخل العلاقة الزوجية.

كما أن امتناع الزوج عن الإنفاق يُعد مخالفة صريحة لالتزاماته القانونية، إذ يُلزم القانون الزوج بالإنفاق على زوجته وأبنائه.

وأشارت إلى أن لجوء بعض الزوجات إلى الخُلع، رغم أحقيتهن في الطلاق للضرر، يرجع إلى سرعة إجراءاته، مقارنة بالدعاوى الأخرى، حتى وإن اضطرت الزوجة للتنازل عن بعض حقوقها المالية.

وأكدت أن تحميل الزوجة مسئولية إنجاب الإناث فقط لا يستند إلى أي أساس علمي، حيث أن تحديد نوع الجنين يرتبط بالعوامل الوراثية الخاصة بالرجل.

وبعد نظر الدعوى، قضت المحكمة بتطليق الزوجة خُلعًا، لتنهي بذلك علاقة زوجية استمرت لسنوات، لكنها فقدت مقومات الاستقرار والأمان.

آثار نفسية

تعكس هذه القضية نموذجًا من التحديات التي تواجهها بعض النساء داخل الأسرة، في ظل استمرار مفاهيم مغلوطة تتعلق بإنجاب الذكور، وما يترتب عليها من ضغوط وعنف قد يدفع إلى تفكك الحياة الزوجية.

وتطرح الواقعة تساؤلات مهمة حول ضرورة تصحيح هذه المفاهيم، وتعزيز الوعي المجتمعي، بما يضمن بيئة أسرية قائمة على الاحترام والمسئولية المشتركة، لذا تحدثنا مع دكتورة ندى عماد أستشاري الطب النفسي والسلوكي التي علقت على هذه القضية من الناحية النفسية قالت: «تعكس هذه الحالة نمطًا متكررًا من العلاقات غير الصحية، التي تقوم على إسقاط المسئولية والجهل بطبيعة الفروق البيولوجية، وهو ما يتحول تدريجيًا إلى عنف نفسي قد تكون آثاره أعمق من العنف الجسدي.

أما سلوك الزوج في هذه الواقعة يرتبط بما يُعرف بـ»الإسقاط النفسي»، حيث يعمد الفرد إلى تحميل الطرف الآخر مسئولية مشاعره السلبية أو إخفاقاته، بدلًا من مواجهتها أو فهمها، وفي هذه الحالة تم إسقاط الإحباط الناتج عن عدم إنجاب ذكر على الزوجة، رغم أن الأمر خارج عن إرادتها تمامًا.

كما يعكس هذا السلوك أيضًا تأثرًا عميقًا بمعتقدات ثقافية راسخة تربط قيمة الرجل بإنجاب الذكور، وهو ما يضعه تحت ضغط اجتماعي، قد يدفعه للتصرف بعدوانية داخل الإطار الأسري، في محاولة لإثبات صورة نمطية معينة أمام المجتمع.

أما بالنسبة للزوجة، فإن التعرض المستمر للتوبيخ والإهانة يندرج تحت ما يُعرف بـ»العنف النفسي المزمن»، وهو أحد أخطر أشكال العنف، نظرًا لتأثيره التراكمي على الصحة النفسية هذا النوع من العنف قد يؤدي إلى انخفاض تقدير الذات، والشعور بالذنب غير المبرر، بالإضافة إلى القلق والاكتئاب.

وتزداد خطورة الوضع في ظل وجود أطفال، خاصة الفتيات، اللاتي ينشأن في بيئة تُشعرهن بأنهن «غير مرغوب فيهن»، وهو ما قد يترك آثارًا نفسية طويلة المدى، مثل ضعف الثقة بالنفس، والخوف من الرفض، واضطرابات في تكوين العلاقات مستقبلًا.

كما أن امتناع الأب عن الإنفاق، إلى جانب الإهمال العاطفي، قد يخلق لدى الأطفال شعورًا بعدم الأمان، ويفقدهم الإحساس بالاستقرار الأسري، وهو عنصر أساسي في التكوين النفسي السليم.

قرار الزوجة باللجوء إلى الخُلع في هذه الحالة يمكن تفسيره نفسيًا باعتباره محاولة لاستعادة السيطرة على حياتها، والخروج من دائرة العنف المستمر، ففي كثير من الحالات، تصل الضحية إلى ما يُعرف بـ»نقطة الانهيار»، وهي اللحظة التي تدرك فيها أن الاستمرار في العلاقة أصبح أكثر ضررًا من الانفصال.

ومن المهم التأكيد على أن كسر دائرة العنف، حتى وإن كان بثمن اجتماعي أو مادي، يُعد خطوة أساسية نحو التعافي النفسي، ليس فقط للزوجة، بل أيضًا للأطفال، الذين يحتاجون إلى بيئة أكثر أمانًا واستقرارًا.

في النهاية تسلط هذه القضية الضوء على ضرورة تعزيز الوعي النفسي داخل المجتمع، والتأكيد على أن العلاقات الصحية تقوم على الاحترام المتبادل، وليس على اللوم أو التمييز أو ممارسة السلطة، كما تؤكد أهمية التدخل المبكر في حالات العنف الأسري، قبل أن تتفاقم وتترك آثارًا يصعب علاجها.

اقرأ  أيضا: محاكم الأسرة «فيض» من حكايات استثنائية وراء الأبواب المغلقة

;