بين حلم قديم نشرته آخر ساعة قبل أكثر من ستة عقود وواقع يتحرك اليوم فوق شوارع القاهرة تعود قصة االمونوريلب إلى الواجهة من جديد، فبعدما كشفت المجلة عام 1961 دراسات حكومية لإنشاء االترام المعلقب كحل ثورى لأزمة المرور افتتحت مصر فى 6 مايو الجارى المرحلة الأولى من مونوريل شرق القاهرة، ليصبح المشروع الذى تأجل طويلًا حقيقة على أرض الواقع فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى.
قبل 65 عامًا كانت القاهرة تقف أمام مفترق طرق تاريخى فى ملف النقل الجماعى، ووقتها فكرت الحكومة فى تنفيذ أحد مشروعين، إما مترو أنفاق يشق باطن الأرض، أو اترام معلقب يحلق فوق الزحام. وفى صيف عام 1961، كشفت اآخرساعةب ملامح هذا الحلم فى تقرير موسع عن دراسات حكومية مكثفة لإنشاء االمونوريلب باعتباره الحل العصرى القادر على إنقاذ العاصمة من الاختناقات المرورية، بعدما رأى مهندسون آنذاك أن مترو الأنفاق يواجه عقبات هائلة تتعلق بالتكلفة وشبكات الصرف الصحى وطبيعة التربة والاهتزازات التى قد تهدد المبانى القديمة، لكن الزمن اختار مسارًا آخر فانطلقت رحلة مترو الأنفاق بعد 21 سنة وتحديدًا فى عام 1982، بينما توارى حلم المونوريل لعقود كاملة.
اليوم عاد ذلك الحلم إلى الحياة من جديد، لكن هذه المرة على أرض الواقع، فقبل أيام أعلنت الحكومة تشغيل المرحلة الأولى من مشروع مونوريل شرق القاهرة، الممتدة من محطة المشير طنطاوى حتى محطة العدالة بالعاصمة الجديدة، فى خطوة تمثل واحدة من أكبر التحولات فى منظومة النقل الحديثة بمصر.
المشروع الذى ظل حبيس الدراسات والرسومات منذ ستينيات القرن الماضى، خرج أخيرًا إلى النور بإرادة سياسية واضحة فى عهد الرئيس السيسى، وبتنفيذ ومتابعة مباشرة من وزير النقل الفريق كامل الوزير، ليصبح االمونوريلب الذى تحدثت عنه اآخرساعةب قديمًا باعتباره اوسيلة المستقبلب جزءًا من حاضر االجمهورية الجديدةب بعد انتظار امتد لأكثر من نصف قرن.

آخرساعة والمونوريل
ووفق ما نشرته آخرساعة فى عددها الصادر بتاريخ 9 أغسطس 1961 طلب الدكتور عبدالقادر حاتم (وزير الثقافة والإرشاد القومى االإعلامب فى الفترة من 20 سبتمبر 1960 إلى 30 سبتمبر 1965) أن تُقدَّم التفاصيل الخاصة بمشروع الترام المعلق فى شوارع القاهرة فى مدة أقصاها أسبوع.. وعلى الفور بدأت اللجان الفنية والهندسية فى العمل، حيث أُجريت الدراسات المتعلقة بالتنفيذ ودرست جميع النفقات، وقدم المشروع كاملًا ليبدأ تنفيذه فى غضون أسابيع قليلة، وذكر التقرير أن هذا الترام المعلق سيراه المواطنون بعد عام واحد فى شوارع القاهرة.
ولكن كيف بدأت فكرة الترام المعلق؟ لقد خرجت هذه الفكرة من مكتب الدكتور عبدالقادر حاتم، حيث قام بدراسة عدة مشروعات مهمة لتنشيط السياحة، وكان من بينها أنفاق المترو، وجزيرة الذهب، وجزيرة الوراق، والتلفزيون، والترام المعلق.
وبعد دراسات كثيرة تبيّن أن مشروع الترام المعلق لا يخدم هدفًا سياحيًا فقط، بل يسهم فى حل أزمة المواصلات أيضًا، واتضح أن فى القاهرة مليون مواطن على الأقل يستخدمون وسائل المواصلات للذهاب إلى أماكن عملهم، فلو حسبنا كيف يتعطل كل واحد منهم نصف ساعة يوميًا على الأقل لأدركنا أهمية وسائل المواصلات من الناحية الاقتصادية لمصر.
ووجد المسئولون أن مشكلات المرور داخل مدينة القاهرة تزداد بنسبة أكبر من زيادة وسائل النقل، وهذه المشكلات موجودة فى القاهرة منذ عدة سنوات حتى أصبحت مزمنة تستعصى على الحل لكثرة توافد السكان على القاهرة كل يوم، إنهم يقيمون فيها بصفة دائمة، ويتركون مزارعهم للالتحاق بالمصانع، وكل مصنع جديد يُقام فى القاهرة يُزيد المشكلة تعقيدًا. وقد زاد عدد سكان العاصمة فى ربع قرن ما يقرب من أربعة ملايين، وأصبحت شوارع المدينة لا تكفى إلا المشاة وحدهم.
زيادة الأتوبيسات
وتبيّن أن زيادة الأوتوبيسات لن تحل المشكلة.. إن مؤسسة النقل العام لمدينة القاهرة ستزيد عدد أوتوبيساتها إلى 1200، كما ستقوم بتعديل خطوط الأوتوبيسات وإنشاء خطوط جديدة لـاالترولى باصب، ولكن هذه الحلول كما قال أحد كبار المهندسين وقتذاك ليست إلا حبات من الأسبرين لمريض يحتاج لعملية جراحية كبيرة، فنحن فعلًا بحاجة لزيادة الأوتوبيسات وإلى تخطيط جديد لمساراتها بالقاهرة، وإلى مزيد من خطوط االترولى باصب، ولكن زيادة السكان بحاجة إلى تغيير جوهرى كالمتبع فى نيويورك، ولندن، وباريس، وموسكو.
واتجه التفكير إلى مترو الأنفاق، من منطلق أن هذه الفكرة ستحل جزءًا كبيرًا من المشكلة، لكن هناك عقبة رئيسية فى التنفيذ، لأن شبكات المياه والكهرباء والمجارى الثابتة فى بلادنا توجد تحتها طبقة طينية رخوة، يرتفع فيها منسوب الرشح، لذلك سترتفع نفقات إنشاء الكيلومتر إلى ما يزيد على مليون جنيه بما فى ذلك المحطات والقاطرات.
وكان من الضرورى أن يجرى البحث عن طريقة أخرى تحل محل المترو وأنفاقه وتؤدى نفس الغرض، وهو إيجاد شبكات جديدة للنقل بعيدة عن الشوارع والطرق الحالية، لكن شيئًا آخر جعل الفنيين يصرفون النظر عن مترو الأنفاق، لقد اتضح أن تنفيذ هذا المشروع يحتاج لوقت طويل تغلق فيه شوارع المدينة التى يقترح سير المترو فيها. وتبيّن أن هذا المترو سيحدث أثناء سيره اهتزازات عنيفة فى المناطق التى يسير فيها، مما يؤثر على المبانى التى يتحرك تحتها، فلو فُرض أنه سيسير فى شارع شبرا أو السيدة زينب أو محمد على فإن المبانى المقامة بهذه الشوارع ستتأثر بما يحدث من اهتزازات، لذا اتجه التفكير إلى الترام المعلق أو االمونوريلب.
فكرة المونوريل
وفكرة المونوريل نفسها طافت بذهن والت ديزنى الفنان العالمى الذى غزا هوليوود بأفلام الأطفال، حيث فكر فى إقامة مدينة ملاهٍ للأطفال والكبار، وبدأ فى رسم تخطيط شامل للمدينة، كان من أهم ما فيه ترام معلق يسير فى الهواء، ونجحت الفكرة تمامًا، مما حفّز الحكومة الأمريكية إلى تطويرها وتحسينها وتعديلها لتصبح أحد الحلول لمشكلات المرور، ونفذت فكرة المونوريل فعلًا فى لوس أنجلوس، وطلب المهندسون العرب من الشركات الأمريكية التفاصيل الهندسية الخاصة بالمونوريل. وبعد دراسات استمرت عامًا وجد المهندسون والفنيون أن المونوريل أو الترام المعلق أنسب حل لأزمة المواصلات فى بلادنا، ووجدوا كذلك أن هناك طرقًا كثيرة لتنفيذه عندنا.
الطريقة الأولى، هى الطريقة المحورية، وفيها تقام محطة تقابل الخطوط فى وسط المدينة كميدان الأوبرا أو ميدان رمسيس، ثم تمتد منها خطوط سريعة مباشرة إلى مختلف أحيائها، من بينها خط إلى مطار القاهرة الدولى وضاحية مصر الجديدة وثان إلى الجيزة والأهرام، وثالث إلى الدقى، ومدخل القاهرة الشرقى، ورابع إلى إمبابة، وخامس إلى مدخل القاهرة الشمالى، وسادس إلى المطرية والزيتون، أما السابع فيصل إلى مدينة نصر والدراسة، والثامن إلى القلعة وجبل المقطم، والتاسع إلى حلوان وطريق الأوتوستراد، والعاشر إلى المعادى.
أما الخطوط السياحية فتُمد بطول كورنيش النيل من مدخل القاهرة حتى حلوان، كما يتم ربط نهاية الخطوط جميعها بخط دائرى يلف حول القاهرة بأكملها ليربط أطرافها ويسهل الانتقال السريع من أى منطقة من مناطق المدينة إلى الأخرى دون حاجة لاختراق المدينة نفسها، وهناك طريقة أخرى، هى الطريقة الدائرية، وتتكون من مجموعة من الدوائر المقفلة التى تعمل مشتركة لحل مشكلة الحركة والنقل خلال المدينة.
الحل فى المونوريل
وبحسب ما نشرته آخرساعة عام 1961 رأى المهندسون أن المونوريل يمثل حلًا عمليًا ومناسبًا لطبيعة القاهرة، لأنه لا يحتاج إلى مساحات كبيرة من الشوارع، إذ يعتمد على أعمدة خرسانية تحمل القضبان المعلقة، دون التأثير على حركة المرور أثناء التنفيذ، كما أكدوا أنه لا يتعارض مع شبكات المرافق الموجودة تحت الأرض أو مع طبيعة التربة والمياه الجوفية.
وأشار التقرير إلى أن تكلفة إنشاء المونوريل أقل بكثير من مترو الأنفاق، فضلًا عن كونه وسيلة هادئة لا تسبب ضوضاء أو اهتزازات تؤثر على الطرق أو المبانى، بفضل استخدام عجلات مطاطية وقضبان معزولة تقلل الصوت والارتجاجات أثناء التشغيل.
تجارب ناجحة
وأجريت عدة تجارب للمونوريل قبل الحرب العالمية الثانية (1939-1945) فى سويسرا وألمانيا وأمريكا، لكن أول تجربة عملية للمونوريل لفتت أنظار العالم هى التى نفذها والت ديزنى فى كاليفورنيا، بينما بدأ تنفيذ الترام المعلق فى باريس رغم أن أكبر شبكة للمترو تحت الأرض فى العالم موجودة هناك.
واختتمت اآخرساعةب تقريرها عن قصة المشروع الذى أكدت نقلًا عن مصادر حكومية وقتذاك أن تنفيذه اسيبدأ بعد أسابيع قليلة وسيستغرق عامًا كاملًاب.
انتهى تقرير آخرساعة القديم، وبقيت الحقيقة أن هذا المشروع ظل حبيس الفكرة حتى خرج إلى النور بعد 65 عامًا فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى، لتواصل مصر رسم ملامح االجمهورية الجديدةب بسواعد أبنائها وإصرارهم على النجاح ومواكبة التطور العالمي.
اقرأ أيضا: مصطفى بكري: المونوريل بداية عصر جديد للمواصلات الذكية في مصر
دبلوماسية فاعلة وتنمية لا تتوقف .. تحركات رئاسية لدعم الاستقرار الإقليمى وصناعة المستقبل
لا اعتراف.. لا شرعية.. لا عبث بالتاريخ| القاهرة تتصدى لـ«سفارة الوهم» على أرض القدس
نقيب الفلاحين يتوقع تراجع الأسعار قريبا.. الطقس والسوسة وراء «هيستريا الطماطم»







