استراتيجية ترامب 2026 وضعتها فى سلة واحدة مع «داعش» و«القاعدة»

واشنطن تعلن الحرب على «الإخوان»

 مظاهرات ضد الإخوان فى برلين
مظاهرات ضد الإخوان فى برلين


ياسمين‭ ‬عبدالحميد

إدراج تنظيم االإخوان فى صلب الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب 2026 ليس مُجرد تفصيل عابر فى وثيقة أمنية تصدرها الإدارة الأمريكية، لكنه إعلان سياسى وأمنى صريح عن تحول نوعى فى نظرة واشنطن إلى الجماعة التى طالما أثارت جدلًا واسعًا داخل الدوائر الغربية بين من اعتبرها اتيارًا سياسيًاب ومن رآها االمظلة الفكرية الكبرى للتطرف العالمىب

الوثيقة التى نشرها البيت الأبيض حملت لغة غير مسبوقة فى توصيف التنظيم، إذ ربطت بشكل مُباشر بين جماعة الإخوان والتنظيمات الإرهابية الأكثر دموية فى العالم، من االقاعدةب إلى اداعشب مرورًا بـاحماسب، مُعتبرة أن هذه الجماعات خرجت جميعها من العباءة الفكرية للإخوان، وأن التنظيم يُمثل الجذر الأيديولوجى للإرهاب الحديث.

وبينما تعاملت دوائر دولية مع هذا التطور باعتباره تحولًا أمريكيًا مُتأخرًا، رأت القاهرة فيه تأكيدًا جديدًا لصحة الرؤية المصرية التى حذرت منذ عقود من خطورة التنظيم العابر للحدود، ومن قدرته على إنتاج العنف وإعادة تدويره تحت لافتات مُختلفة، فمنذ سقوط حكم الجماعة فى مصر عقب ثورة 30 يونيو 2013 رفعت الدولة المصرية شعار المواجهة الشاملة مع الإرهاب، وأعلنت جماعة الإخوان تنظيمًا إرهابيًا، لتصبح أول دولة فى المنطقة تتخذ هذا القرار بصورة رسمية ومؤسسية واضحة، ويأتى التحول الأمريكى فى توقيت إقليمى بالغ الحساسية، إذ يشهد الشرق الأوسط تصاعدًا فى التوترات الأمنية، واتساعًا لنشاط الجماعات المُتشددة، إلى جانب تنامى المخاوف الغربية من عودة الخلايا الإرهابية للعمل داخل أوروبا والولايات المُتحدة مُستفيدة من الشبكات الفكرية والمالية والتنظيمية المرتبطة بالإخوان.

ويرى مُراقبون وخُبراء فى شئون الجماعات الإرهابية أن واشنطن لم تعد تنظر إلى الجماعة باعتبارها مُجرد تنظيم سياسى، بل كشبكة دولية مُعقدة تتداخل فيها الأبعاد العقائدية والاقتصادية والإعلامية والتنظيمية، بما يجعلها قادرة على دعم تيارات التطرف العنيف بصورة مُباشرة أو غير مُباشرة، مُعتبرين الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بمثابة انتصار سياسى ومعنوى للرؤية المصرية التى تعرضت لسنوات طويلة لحملات تشكيك غربية، خصوصًا بعد تحذيرات القاهرة المُتكررة من خطورة منح التنظيم غطاءً سياسيًا أو حقوقيًا فى بعض العواصم الأوروبية.

الجذور الفكرية

هُنا يُشير الدكتور طارق البرديسى خبير العلاقات الدولية إلى أن إدراج جماعة الإخوان الإرهابية ضمن مقاربة أمريكية تربط بينها وبين تنظيمات مثل القاعدة وداعش يعكس تحولًا مهمًا فى التفكير الاستراتيجى الأمريكى تجاه ما وصفه بالتهديدات غير النمطية، موضحًا أن هذه الخطوة تُشير لانتقال واشنطن من التعامل التقليدى مع التنظيمات المُسلحة إلى مُقاربة أكثر شمولية تستهدف الجذور الفكرية والشبكات التنظيمية المُمتدة عبر الحدود، لافتاً إلى أن ذلك قد يُعيد تشكيل أولويات التعاون الأمنى بين الولايات المُتحدة وشركائها الدوليين، خصوصًا فى الشرق الأوسط وأوروبا خلال المرحلة المُقبلة، لافتًا إلى أن الولايات المتحدة كانت لسنوات تتعامل مع الإخوان باعتبارهم ورقة سياسية يُمكن استخدامها فى المنطقة، لكن التجربة أثبتت أن التنظيم يمثل بيئة حاضنة للفكر المُتطرف، مُضيفًا أن مصر دفعت ثمنًا باهظًا نتيجة الإرهاب الذى خرج من رحم جماعة الإخوان، سواء عبر التنظيمات المُسلحة فى سيناء أو من خلال التحريض السياسى والإعلامى الذى غذى موجات العنف بعد ثورة 30 يونيو 2013، مُشيرًا إلى أن القاهرة كانت تُدرك مُنذ البداية أن التنظيم لا يؤمن بالدولة الوطنية بل يسعى لإقامة كيان عابر للحدود يتجاوز مفهوم الدولة الحديثة.

البرديسى يُشدد على أن أخطر ما فى الوثيقة الأمريكية هو الربط المُباشر بين الإخوان والتنظيمات الإرهابية العالمية، لأن ذلك يعنى أن واشنطن باتت تنظر إلى الجماعة باعتبارها أصل الأزمة وليس مُجرد تنظيم سياسى له بعض الأجنحة المُتشددة، منوهًا بأن التحول الأمريكى لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة تراكم معلومات وتقارير استخباراتية كشفت طبيعة العلاقة الفكرية والتنظيمية بين الإخوان والجماعات الإرهابية المُسلحة، مُضيفًا أن تنظيم القاعدة نفسه خرج فكريًا من أدبيات سيد قطب، وأن تنظيم داعش اعتمد على نفس البنية العقائدية القائمة على تكفير المجتمع والدولة، مُعتبرًا أن الجماعة تُمثل االخزان الفكرى الذى يغذى التنظيمات الإرهابية بالعناصر والأفكار، وتعتمد استراتيجية مزدوجة تقوم على إظهار خطاب سياسى مُعتدل فى العلن، بينما تستمر فى نشر أفكار راديكالية داخل التنظيمات المُغلقة، وهو ما سمح لها بالبقاء والتمدد لعقود طويلة داخل المُجتمعات الغربية، مُشيرًا إلى أن أخطر ما كشفته السنوات الماضية هو قدرة التنظيم على استغلال مؤسسات المُجتمع المدنى والمنظمات الحقوقية وبعض المراكز الإسلامية فى أوروبا والولايات المتحدة لتوفير بيئة آمنة لنشاطه السياسى والمالى.

شبكة أيديولوجية

توقيت الإعلان الأمريكى يرتبط بعدة متغيرات إقليمية ودولية، أهمها تصاعد التهديدات الأمنية بالشرق الأوسط، وتزايد المخاوف الغربية من تنامى الإرهاب العابر للحدود ـ حسبما يؤكد ماهر فرغلى الباحث فى شئون الجماعات الإرهابية ـ والذى يلفت إلى أن الولايات المتحدة باتت أكثر اقتناعًا بأن التنظيمات الإرهابية لا تنشأ بصورة مُنفصلة، وإنما تتحرك داخل شبكة أيديولوجية وتنظيمية مُعقدة تقف جماعة الإخوان فى قلبها، مُضيفًا أن واشنطن تسعى أيضًا لإعادة ترتيب أولوياتها الأمنية بالمنطقة، خصــوصًا بعــــد تصـــاعد دور التنظيمـــات المُســلحة المُرتبطة بالإسلام السياسى فى عدد من بؤر الصراع، مُشيرًا إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية تتبنى رؤية أكثر تشددًا تجاه التنظيمات الإسلامية السياسية مُقارنة ببعض الإدارات السابقة التى حاولت توظيف الإخوان بمشاريع إعادة تشكيل المنطقة بعد ما عُرف بـاالربيع العربىب.

الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب تتضمن وفقًا لفرغلى تصنيفًا جديدًا للإخوان، وتؤكد الربط المُباشر بينها وبين تنظيمى القاعدة وداعش، إلى جانب توسيع مفهوم التهديدات الإرهابية عالميًا، مُشددًا على أن وضع البيت الأبيض للإخوان فى سلة واحدة مع القاعدة وداعش يؤكد أن أوروبا وأمريكا اللاتينية حاضنين للتهديدات الإرهابية، لافتًا إلى أن الرئيس ترامب يعلم أن جميع الجماعات الجهادية الحديثة، من القاعدة إلى داعش إلى حماس، تعود جذورها إلى منظمة واحدة هى جماعة الإخوان، التى هى أصل كل الإرهاب الإسلامى الحديث القائم على إعادة الخلافة الإسلامية وقتل أو استعباد غير المُسلمين، ولذلك اتخذ خطوة تاريخية بإصدار أمر تنفيذى يعلن بموجبه فرع الإخوان المسلمين الأصلى فى مصر إلى جانب فرعى الأردن ولبنان منظمات إرهابية أجنبية، وسيتبعه قريبًا فروع أخرى، كما شدد على أن ما يُحدث يُمثل اانتصارًا تاريخيًاب للموقف المصرى.

لم تكن الولايات المُتحدة الدولة الأولى التى تتجه نحو تصنيف الجماعة كتنظيم إرهابى، إذ سبقتها عدة دول عربية وأجنبية اتخذت إجراءات صارمة ضد التنظيم خلال السنوات الماضية، ففى ديسمبر 2013 أعلنت مصر رسميًا جماعة الإخوان تنظيمًا إرهابيًا بعد سلسلة من العمليات الإرهابية التى استهدفت مؤسسات الدولة، كما اتخذت السعودية والإمارات خطوات مُماثلة، حيث أدرجت الجماعة ضمن قوائم الإرهاب، وحظرت نشاطها بشكل كامل، وبعد سنوات توسعت دائرة التضييق على التنظيم فى عدة دول أوروبية، خصوصًا بعد تصاعد المخاوف الأمنية المُرتبطة بالتمويل والتجنيد ونشر الفكر المُتطرف داخل الجاليات المُسلمة، كما فرضت النمسا رقابة مُشددة على المؤسسات المرتبطة بالإخوان، بينما شهدت فرنسا نقاشات واسعة حول دور التنظيم فى نشر التطرف داخل الضواحى والمراكز الإسلامية.

تحول جذرى

ويلفت طارق البشبيشى الخبير فى شئون الجماعات المُتطرفة إلى أن ما ورد فى الاستراتيجية الأمريكية يمثل تحولًا جذريًا فى فهم واشنطن لجذور الإرهاب الحديث، خاصة مع الربط الصريح بين جماعة الإخوان وتنظيمى القاعدة وداعش، فإدراج الإخوان فى قلب التصنيف الجديد واعتبارها الجذر الفكرى والتنظيمى لعدد من التنظيمات المسلحة يُعيد رسم خريطة التهديدات العالمية بالكامل، ويمثل انتقالًا من التعامل مع التنظيمات ككيانات مُنفصلة للنظر إليها باعتبارها شبكة مُمتدة الجذور والفكر، الأمر الذى قد يفتح الباب أمام موجة أوسع من التصنيفات والإجراءات ضد الفروع المرتبطة بها فى الشرق الأوسط وخارجه، مُضيفًا أن الغرب بدأ يراجع أخطاءه فى التعامل مع الإسلام السياسى، بعدما اكتشف أن الرهان على الجماعات المؤدلجة لإعادة تشكيل المنطقة كان رهانًا فاشلًا، وكثير من الدوائر الغربية كانت تُميز بين االإسلام السياسى المُعتدلب والتنظيمات الإرهابية المُسلحة، لكن التجربة العملية أثبتت أن الحدود بين الطرفين شديدة الهشاشة، فالجماعات المُتطرفة لا تولد فى فراغ، بل تنشأ داخل بيئة فكرية وتنظيمية توفرها الحركات العقائدية الكبرى، وعلى رأسها جماعة الإخوان.

أخطر ما يُميز تنظيم الإخوان هو قدرته على العمل عبر شبكات دولية مُعقدة، تشمل شركات ومؤسسات مالية ومُنظمات مجتمع مدنى ومراكز دينية وتعليمية، ووفقًا لإبراهيم ربيع الخبير فى شئون الجماعات المُتطرفة، فإن التنظيم لا يعتمد فقط على العمل السياسى التقليدى بل يمتلك منظومة اقتصادية وإعلامية ضخمة تتيح له الاستمرار رغم الضربات الأمنية، مُضيفًا أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تبدو مُهتمة بشكل خاص بتجفيف منابع التمويل، وهو ما قد يوجه ضربة قوية لقدرة التنظيم على الحركة والتجنيد، مُشددًا على أن الربط الذى جاء فى الاستراتيجية الأمريكية بين الإخوان والقاعدة وداعش يكشف وجود بنية فكرية وتنظيمية مُشتركة بين هذه الكيانات، ظلت لسنوات طويلة محل جدل وإنكار، قبل أن تتحول لجزء من وثائق رسمية صادرة عن مؤسسات صنع القرار فى واشنطن.

اقرأ  أيضا: الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب 2026: الإخوان أصل كل الإرهاب الحديث