في بيوتنا البسيطة تفاصيل صغيرة تصنع معجزات كبرى، خيط رفيع يربط بين غرفة فتاة صغيرة في مدينة طنطا تجمع قطعا إلكترونية بسيطة شغفاً بالمستقبل، وبين أب يغترب في المملكة العربية السعودية ولا تغيب عيناه ولا دعواته عن تفاصيل ابنته، وأم تطوف محافظات مصر لتذليل عقبة تقنية مرة، ومسح دمعة إحباط مرة أخرى.
هي ليست مجرد قصة نجاح علمي، بل هي «حكاية» مصرية عن الشغف، وعن كواليس التربية الذكية التي لا تبحث عن الجوائز بقدر ما تحمي «الصحة النفسية» لأبنائها، حكاية الطالبة «سلمى أشرف» التي ذهبت إلى مسابقة «آيسف» الدولية للعلوم والهندسة بمبدأ «المشاركة والتجربة»، فعادت إلى أحضان والدها ووطنها بالمركز الثاني عالمياً بمشروعها الابتكاري «Flixgripper»، متفوقة بأدواتها البسيطة على إمكانيات دول تكنولوجية عملاقة.

في السطور التالية، تنشر «بوابة أخبار اليوم» تفاصيل الحكاية، وتروي على لسان والدها لقطات إنسانية لم تنشر من قبل عن رحلة «سلمى» من قنوات «اليوتيوب» إلى منصات التتويج العالمية.
◄ دعم أسري عابر للحدود
في إنجاز علمي مصري جديد، نجحت الطالبة سلمى أشرف في اقتناص المركز الثاني عالمياً في مسابقة العلوم والهندسة الدولية «آيسف» (ISEF)، بمشروعها الابتكاري «Flixgripper» في مجال الميكاترونكس والروبوتات، ولم يكن هذا الفوز وليد الصدفة، بل جاء تتويجاً لرحلة طويلة من الشغف، التجريب، والدعم الأسري العابر للحدود.

وفي تصريحات خاصة لـ «بوابة أخبار اليوم»، روى والد سلمى، والذي يعمل كصيدلي في المملكة العربية السعودية، تفاصيل الرحلة المؤثرة لابنته منذ أن كانت مجرد فكرة في غرفتها الصغيرة، وحتى وقوفها على منصة التتويج الدولية وسط منافسة شرسة مع أقوى الدول التكنولوجية.
◄ البداية من اليوتيوب.. وقطع غيار عبر الإنترنت
بدأت رحلة سلمى عقب انتهاء المرحلة الإعدادية، حيث قادتها رغبتها في اكتشاف ذاتها إلى شغف مميز بمجال «الميكاترونكس»، وبجهد ذاتي، بدأت تبحث عبر منصات «اليوتيوب» عن وسائل لتعلم هذا المجال المعقد وسط عشرات القنوات التعليمية.
يقول والدها لـ «بوابة أخبار اليوم» «طلبت مني سلمى شراء بعض القطع الإلكترونية الخاصة بالروبوتات من مواقع برمجية متخصصة، وبالفعل أحضرتها لها، وكانت فرحتها لا توصف، وقضت شهوراً طويلة بعد الإعدادية في التجريب والتعلم الذاتي داخل المنزل، قبل أن تلتحق بكورس متخصص في أحد مراكز الروبوتات، لتصقل خبرتها هناك وتشارك مع فريق المركز في مسابقة محلية حصدوا فيها المركز الأول».
◄ مشروع «Flixgripper» وتحديات البحث العلمي
بعد الفوز المحلي، بدأت سلمى التخطيط للمشاركة في مسابقة «آيسف» العالمية، واستقرت على فكرة مشروعها «Flixgripper»، وهو ما تطلب منها دراسة علوم فرعية متعددة ومعقدة لتنفيذ الفكرة، واجهت الأسرة تحديات في توفير القطع التقنية اللازمة، وتم الاستعانة بمواقع إلكترونية محلية وعالمية لتأمينها.

انطلقت رحلة التصفيات الرسمية تحت رعاية وزارة التربية والتعليم، حيث توجب على سلمى اجتياز التصفيات على مستوى إدارة طنطا التعليمية، ثم على مستوى محافظة الغربية، وصولاً إلى التصفيات النهائية الشرسة في مكتبة الإسكندرية، والتي أهلتها رسمياً لتمثيل مصر في المسابقة الدولية بدعم إداري من الوزارة، والتي تعاونت أيضاً في حل أزمة امتحانات سلمى بعد أن فاتتها 3 اختبارات بسبب السفر والمشاركة، أما عن الدعم الفني والمختبري، فقد احتضنته معامل كلية الهندسة بجامعة طنطا، حيث تمكنت سلمى من إجراء تجاربها المتقدمة هناك.
◄ الأم في رحلات البحث.. والأب يدعم من الغربة
لم تكن الرحلة مفروشة بالورود، حيث واجهت سلمى تحديات تقنية عديدة نظراً لمحدودية الإمكانيات الفنية المتاحة، ويؤكد والدها أن سلمى تمتلك شخصية عصامية: «سلمى لا تفضل سؤال المتخصصين إلا بعد معاناة ومحاولات ذاتية عديدة مستمرة».
اقرأ أيضا|«السوق المصري» في إسطنبول.. حكاية مصرية تنبض في قلب تركيا
وهنا برز دور والدتها التي رافقتها في رحلات مكوكية بين مختلف المحافظات المصرية بحثاً عن حلول تقنية للعقبات التي واجهت المشروع، فضلاً عن تقديم الدعم المعنوي والنفسي المستمر في لحظات الإحباط.

ورغم تواجده في السعودية بحكم عمله، كان الأب على تواصل دائم ليل نهار لتذليل أي عقبات مادية أو معنوية، مؤكداً: «لم يكن هدفنا الجوائز بقدر ما كان هدفنا الحفاظ على صحتها النفسية، وأن تخوض التجربة وتعود سعيدة بغض النظر عن النتيجة».
◄ المفاجأة الكبرى وسط عمالقة التكنولوجيا
وعن لحظات إعلان الفوز، يصف والد سلمى مشاعر القلق والترقب التي عاشتها الأسرة، خاصة وأن المنافسة كانت أمام دول تمتلك إمكانيات تكنولوجية ومادية هائلة، بينما شاركت سلمى بأدوات بسيطة للغاية.

ويضيف الوالد بابتسامة قبل سفرها، قلت لها «يا سلمى، أنتِ ذاهبة في رحلة لمدة أسبوع، استمتعي بالتجربة وتغيير المكان واكتسبي خبرات جديدة، ولا تحزني أبداً إذا لم تحققي مركزاً، فمجرد وصولك إلى هنا هو نجاح كبير" كنت أحاول حمايتها نفسياً لأن الأمل كان يبدو ضعيفاً وسط هذه الإمكانيات العالمية، لكن كرم الله كان كبيراً جداً وفوق توقعاتنا، وحققت سلمى المركز الثاني عالمياً».
واختتم والد البطلة حديثه لـ «بوابة أخبار اليوم» مشيراً إلى ملمح من شخصية ابنته: «سلمى من الشخصيات التي لا تحب الحديث عن خططها أو إمكانياتها، بل تفضل دائماً أن تترك أعمالها وإنجازاتها هي التي تتحدث عنها»، موجهاً الشكر لفريق مكتبة الإسكندرية الذي رافقها ودعمها حتى لحظة استلام الجائزة رفيعة المستوى.

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







