الفن التشكيلى مجموعة متنوعة من الإبداعات البصرية التى تعكس ثقافات وحضارات الشعوب، ولكل مبدع تجربة تحمل بصمته الخاصة التى تترجمها أعماله..
تُعد الطباعة الغائرة من أبرز تقنيات فن الجرافيك وأكثرها ثراءً وتعقيدًا، إذ تعتمد على الحفر داخل سطح المعدن، غالبًا الزنك أو النحاس، باستخدام الإبرة والأحماض والأدوات الحادة، ثم ملء الشقوق بالحبر وطباعة العمل على الورق تحت ضغط عالٍ، وتمتاز هذه التقنية بقدرتها الفريدة على إبراز التفاصيل الدقيقة والملامس العميقة والدرجات الظلية الثرية، وقد استطاعت الطباعة الغائرة أن تحتل مكانة بارزة فى تاريخ الفن العالمى، لما تتيحه من إمكانات تشكيلية هائلة تجمع بين الحس اليدوى والدقة التقنية.
العمق الفكرى
فى هذا السياق، تبرز تجربة الفنان عوض الشيمى بوصفها واحدة من أهم التجارب الفنية التى تعاملت مع الحفر الغائر باعتباره وسيلة للتعبير الفكرى والفلسفى، لا مجرد تقنية تشكيلية، فقد حملت أعماله أبعادًا فلسفية عميقة تجاوزت حدود العمل الفنى سهل القراءة إلى فضاءات أكثر تأملًا وتعقيدًا، حتى بدت معظم أعماله، بما فيها المنفذة بتقنيات مغايرة، وكأنها حفر غائر نابض بالتفاصيل والرموز، يضع المتلقى أمام تجربة بصرية وفكرية تجمع بين الحس الجمالى والطرح التأملى العميق.
وتتجلى خصوصية تجربته فى صعوبة تصنيف أعماله ضمن قالب تقنى واحد، إذ تنوعت بين الرسم، والحفر الغائر، والطباعة اليدوية، والألوان المائية، وصولًا إلى الفن الرقمى، فى حالة من التداخل التقنى الذى يعكس وعياً فنياً واسعاً وشغفًا دائمًا بالتجريب والتطوير، غير أن موهبته بدت أكثر تألقًا فى مجال الحفر الغائر، الذى استطاع من خلاله أن يرسخ اسمه كأحد أبرز فنانى هذه المدرسة، بما قدمه من أعمال تجمع بين الدقة التقنية والعمق الفكرى، وتؤكد حضوره كأحد الأصوات التشكيلية المهمة فى فن الجرافيك المعاصر.
فنان العام
وُلد الشيمى فى 18 مارس 1949 بحى الدرب الأحمر، بالقرب من باب زويلة وبوابة المتولى، ذلك الفضاء الشعبى العريق الذى تشكلت داخله ملامح وجدانه الفنى الأولى، حيث اختلطت فى ذاكرته تفاصيل الجدران القديمة، وروح الحارة المصرية، وجماليات العمارة الإسلامية، لتصبح لاحقًا أحد أهم المصادر البصرية والرمزية فى تجربته التشكيلية.
وشغل منصب أستاذ ورئيس قسم الجرافيك بكلية الفنون الجميلة جامعة العاصمة، كما عمل سابقًا بجامعة الزرقاء بالأردن، وامتدت خبراته الفنية والأكاديمية إلى عدد من الدول العربية، وحصد خلال مسيرته العديد من الجوائز المهمة، من بينها جائزة لجنة التحكيم فى بينالى الشارقة، وجائزة ترينالى فريدريكستاد بالنرويج، كما احتفت به جمعية محبى الفنون الجميلة برئاسة الفنان أحمد نوار بعد اختياره (فنان العام)، فى تقليد جديد يهدف إلى تكريم الرموز الفنية المؤثرة فى الحركة التشكيلية المصرية والعربية.
الجارية
وتُعد مجموعة (الجوارى) من أقرب الأعمال إلى قلب الفنان عوض الشيمى، إذ استلهمها من أجواء حى الدرب الأحمر وتراث المماليك بشكل خاص، وبدأ تنفيذها بتقنية الحفر الحمضى خلال فترة الثمانينيات، إلى جانب مجموعة (النوافذ) التى شكلت محطة بارزة فى مسيرته الفنية.
كما ارتبط حضور الدائرة فى معظم أعماله الأولى برؤية فلسفية خاصة تشكلت منذ مشروع تخرجه الذى نفذه بتقنية الحفر الحمضى تحت عنوان «تنويعات فضائية»، حيث رأى فى الدائرة رمزًا لتكوين الكون والحياة، بدءًا من شكل الأرض وصولًا إلى الحركة الدائرية فى الطقوس الإنسانية والروحية مثل التفاف الحجيج حول الكعبة، وهو المشروع الذى حصل من خلاله على تقدير امتياز.
أما (الجارية) فى أعماله، فلم تكن تجسيدًا مباشرًا للمرأة بقدر ما كانت رمزًا للجمال الشرقى فى صورته الفلسفية والوجدانية.. إذ لم يقدمها بشكل واقعى كامل، بل اكتفى أحيانًا بإيحاءات بصرية مثل الملابس أو عمامة الرأس الرجالية، انطلاقًا من رؤيته بأن عقل الرجل هو المحرك لهذا الحضور، لذلك بدت الجارية فى أعماله كأثر روحى محسوس، لا كجسد مرئى مكتمل، فى معالجة تحمل قدرًا كبيرًا من الرمز والتأمل الفلسفى.
تمجيد المحارب
تأتى المرحلة الثانية فى تجربة الفنان عوض الشيمى من خلال مجموعة (تمجيد المحارب القديم)، التى استلهمها من التراث المملوكى بما يحمله من دلالات تاريخية وحضارية عميقة، فقد ارتبطت هذه المرحلة برؤيته الخاصة للمماليك باعتبارهم أحد رموز العطاء الحضارى لمصر، ومازالت عمارتهم شاهدة على هذا الإرث فى قلب القاهرة التاريخية، بما تحمله من جماليات معمارية وروح تاريخية مميزة.
ومن هذا المنطلق، اتجه الشيمى إلى الاحتفاء بهذه الشخصيات التاريخية وتجسيدها فنيًا عبر مجموعة من اللوحات التى تناولت (المحارب القديم) بوصفه رمزًا للقوة والبطولة والهوية الحضارية، وجاءت هذه الأعمال فى صياغة بصرية امتزج فيها الحس التاريخى بالطرح الفلسفى والجمالى، لتتحول لوحاته إلى استدعاء فنى لذاكرة المكان واستحضار لروح التاريخ داخل عالم تشكيلى شديد الخصوصية.
فاشون| كوليكشن «أميرة» لصيف ٢٠٢٦.. جرأة وبهجة
فاشون| بيوت تحت «الضغط» وصفة لمواجهة «بعبع» الامتحانات
منة شلبى وحمزة العيلى.. محمد سامى ويسرا







