فى اليوم العالمى للمتاحف رحلة عبر الزمن

فى متحف دار الكتب بباب الخلق

مقتنيات صلاح أبو سيف
مقتنيات صلاح أبو سيف


اليوم تتشابك خيوط الزمن فى أروقة دار الكتب والوثائق القومية بباب الخلق، فيما يهمس عبق الورق القديم بأسرار الحضارات، لتتجلى الهوية المصرية فى أبهى صورها وهى تحتضن ذاكرة الأمة وتراثها الإنسانى. وفى مشهد احتفالى يتزامن مع اليوم العالمى للمتاحف، فتحت الدار أبوابها أمام كنوز نادرة تمتد من المخطوطات التراثية إلى مقتنيات رائد الواقعية السينمائية صلاح أبو سيف، التى تُعرض للمرة الأولى، لتنسج جسرًا إبداعيًا بين فنون التدوين القديمة وفنون الصورة الحديثة.

أكد أسامة طلعت، فى تصريحات لـ«الأخبار»، أن الاحتفال باليوم العالمى للمتاحف هذا العام يمثل تأكيدًا على الدور الريادى لمتحف مخطوطات دار الكتب بباب الخلق، باعتباره منارة معرفية تحفظ تاريخ مصر الممتد عبر قرون.
وأوضح أن الدار ليست مجرد مستودع للوثائق، بل حارس أمين على 127 قطعة أثرية نادرة، تضم 59 مخطوطًا، و17 مصحفًا شريفًا، و9 مسكوكات، و7 وثائق تاريخية، إلى جانب لوحات خطية وخرائط تعكس تطور الفكر الإنسانى.
وأشار إلى حرص الدار على تطوير الرؤية المتحفية لتصبح أكثر تفاعلًا مع الجمهور، وهو ما تجسد فى تحديث سيناريو العرض المتحفى ليشمل أقسامًا متخصصة تؤكد الريادة العلمية لمصر، من بينها نسخة «الجامع فى الأدوية المفردة» لابن البيطار، ونسخة «كتاب الأغانى» لأبى الفرج الأصفهانى، التى تعود إلى عام 614هـ.
مقتنيات صلاح أبو سيف
من جانبه، أوضح أيمن شكيب أن الدار تعرض للمرة الأولى، بمناسبة اليوم العالمى للمتاحف، مجموعة فريدة من تكريمات صلاح أبو سيف، من بينها وسام الفاتح العظيم من ليبيا عام 1989، ودرع المركز المصرى للتعاون الثقافى الدولى عن فيلم «النعامة والطاووس»، وأوسكار السينما المصرية لعام 2009.
كما كشف عن عرض مقتنيات شخصية للمخرج الراحل، من بينها أجندة دوّن فيها أفكاره، وختمه الخشبى الخاص، و«سكربت» فيلم «سكر بنات» المكتوب بخط يده.
ويكتمل المشهد بصور نادرة للفنان إسماعيل ياسين فى كواليس فيلم «ريا وسكينة»، وألبومات أفلام «توحيدة» و«ثلاث نساء»، إلى جانب شهادات دولية مرموقة، منها شهادة جمعية مهندسى الصور المتحركة الأمريكية عام 1949، لتظل دار الكتب حارسة لذاكرة الفن والثقافة المصرية.
جولة داخل المتحف
تنساب خطوات الزائر فى ردهات المتحف كأنها رحلة عبر الزمن، تبدأ من قاعة الاستقبال التى تضم وثائق ملكية الأراضى والأوامر الخديوية، التى أرست دعائم هذا الصرح العريق.
ومنها ينتقل الزائر إلى قسم البرديات، حيث تعرض وثائق نادرة تعود إلى القرنين الأول والرابع الهجريين، من أبرزها وثيقة عتق جارية مكتوبة باللغة العربية بمداد أصفر، تنتهى بتوقيعات الشهود، وتعكس جانبًا من الحياة الاجتماعية فى تلك العصور.
وفى قسم العلوم، تتجلى الريادة العربية فى الطب والنبات من خلال نسخة «الجامع فى الأدوية المفردة» لابن البيطار، التى كُتبت فى دمشق عام 749هـ، وتحمل أختامًا تاريخية تؤكد انتقالها بين أيدى الأمراء والعلماء.
وتتواصل الجولة إلى أقسام اللغات والأدب والتاريخ، حيث يقف الزائر أمام النسخة المصورة من «كتاب الأغانى» للأصفهانى، المزدانة بمنمنمات تعكس مدرسة بغداد فى التصوير الإسلامى عام 614 هـ.
كما تضم القاعات نسخة «قوتادغو بيليك» أو «علم السعادة» باللغة التركية، المهداة إلى أحد حكام كاشغر، إلى جانب نسخة «الشاهنامة» لالفردوسى، التى تسجل مآثر ملوك فارس بزخارف ومنمنمات تعود إلى العصر التيمورى.
وفى قسم التاريخ، تبرز نسخة «المُغرب فى حُلى المَغرب» لابن سعيد المغربى، باعتبارها مصدرًا مهمًا لتاريخ مصر والأندلس، وتحمل قيود قراءة لعدد من كبار المؤرخين، بينهم المقريزى.
المصاحف والتحف النادرة
وتختتم الرحلة داخل قسم المصاحف الشريفة والتحف النادرة، حيث تعرض الدار مصحفًا شريفًا من القرن الثانى الهجرى كُتب بالخط الكوفى المنقط بالمداد الأحمر، إلى جانب مصحف أم السلطان شعبان بجلديه الضخمين وزخارفه المملوكية المذهبة، التى تعكس قمة التطور الفنى فى ذلك العصر.
وفى ركن العرض التفاعلى، يتوقف الزوار أمام «عجائب التحف»، التى تضم حبات قمح نقش عليها الخطاط محمد طاهر الكردى آيات من القرآن الكريم بالخط الغبارى الدقيق خلال ثلاثينيات القرن الماضى.. وبجوار هذه النفائس، يستقر قسم المسكوكات، الذى يعرض درهمًا فضيًا نادرًا يعود إلى عام 79هـ، ويمثل مرحلة تعريب النقود فى عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، ليغادر الزائر المتحف محمّلًا بعبق التاريخ وجماليات الفنون الإسلامية.