من تابع زيارة ترامب الأخيرة للصين لا شك أنه رصد كيف ساد الخطاب الدبلوماسى بين الطرفين لحد كبير، وكيف حرص كل منهما على تأكيد الرغبة فى التعاون وتجنب صراع يعتبره الكثيرون حتميًا بين القوتين المتنافستين على زعامة العالم. فى القضية الأساسية بالنسبة للصين اكتفى الرئيس الصينى بتأكيد أن قضية تايوان ستظل هى المحدد الرئيسى للعلاقات مع الولايات المتحدة، بينما تجنب ترامب الاقتراب العلنى من القضية واكتفت الدبلوماسية الأمريكية بتكرار التمسك بالموقف الأمريكى التقليدى الذى يقر بوحدة أراضى الصين لكنه يعارض استخدام القوة لتحقيق ذلك مع تايوان.
على باب طائرة ترامب وهى تستعد لرحلة العودة كان المشهد مغايرًا حيث كان على كل المرافقين التخلص من أى هدايا صينية وصلتهم أثناء الرحلة بدءًا من تذكار صغير وحتى جهاز موبايل حديث. كان المشهد يعيد الجميع إلى الواقع حيث تتواصل جهود التجسس بين الدولتين ويخشى كل طرف من عواقبها. ومع نهاية الزيارة التى لم تشهد اختراقًا كبيرًا فى أى من الملفات المعلقة عاد الرئيس ترامب لخطابه التقليدى ليقول إن شرط رفع الرسوم الجمركية الاستثنائية على الصين هو أن تنقل جزءًا مهمًا من مصانعها إلى داخل الولايات المتحدة وأن تزيد الاستثمار فيها وتلتزم بأن يكون العمل فى هذه المصانع للأمريكيين وحدهم!!
مشكلة ترامب فى هذه الزيارة لم تكن فقط أزمته فى حرب إيران التى لا يجد له فيها إلا شريكًا واحدًا هو إسرائيل، المشكلة أنه لم يعد يستطيع التحدث باسم العالم الغربى أو حتى الحلفاء الأساسيين فى آسيا (أو الذين كانوا كذلك حتى وقت قريب!!) قبل زيارة ترامب للصين سبقه إلى هناك زعماء بريطانيا وألمانيا وحتى الجارة القوية كندا بحثًا عن تطوير العلاقات التجارية مع الصين فى وقت يخوضون فيه حربًا تجارية لم تكن يومًا فى حساباتهم فى مواجهة من كان يقدر تحالفهم ويرعى شراكتهم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (!!).. فى المقابل كانت «بكين» حريصة على أن تستقبل فى اليوم التالى لزيادة ترامب حليفًا تقليديًا هو زعيم كوريا الشمالية وأن تستقبل فى نفس الأسبوع شريكها الأساسى الرئيس الروسى بوتين لتقول إن شراكتها مع روسيا ستظل عنوانًا رئيسيًا لسياستها الخارجية فى كل الظروف!!
الولايات المتحدة «رغم كل شىء» مازالت هى القوة الأعظم سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وستظل كذلك لسنوات قادمة، لكنها لن تكون القوة الوحيدة المهيمنة على النظام الدولى الذى سيتغير حتمًا إلى نظام تتعدد فيه الأقطاب وتتغير موازين القوى. فى النهاية فإن المناخ التصالحى واللغة الدبلوماسية لم تستمر طويلًا بعد انتهاء زيارة ترامب إلى «بكين» التى تستعد لاستقبال بوتين، بينما الرئيس ترامب يعود لتحذير إيران بأن هذا كله هو «الهدوء الذى يسبق العاصفة» !!

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







