في السنوات الأخيرة، دخل الذكاء الاصطناعي عالم الفن كرفيق غير متوقع، يرسم
ويعزف ويكتب ويخرج. بين الدهشة والقلق، وبين سؤال: «هل يهدد الفنان أم يمنحه أجنحة جديدة؟»
«آرتيفيشيال نيوز» يأخذنا في رحلة لاكتشاف كيف يعيد المستقبل كتابة لغته الفنية.
« مهرجان كان الموازى»
لأفلام الذكاء الاصطناعى
في خطوة اعتبرها كثيرون نقطة تحول في مستقبل السينما، شهدت مدينة كان الفرنسية انطلاق مهرجان World AI Film Festival – WAIFF، والذي يوصف بأنه «المهرجان الموازي» لمهرجان كان السينمائي، والمخصص بالكامل للأفلام المصنوعة أو المطورة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
المهرجان أُقيم داخل قصر المهرجانات الشهير في مدينة كان، وجذب آلاف المشاركات من عشرات الدول، وسط اهتمام عالمي متزايد بما يسمى اليوم بـ «السينما الاصطناعية».
وشهد الحدث عروضًا لأفلام قصيرة وتجريبية تم تطويرها باستخدام أدوات توليد الفيديو والصوت والنصوص بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب مشاركة شركات تقنية ومخرجين وفنانين رقميين ناقشوا مستقبل العلاقة بين الإنسان والخوارزميات داخل الصناعة السينمائية.
ولم تقتصر فعاليات WAIFF على عرض الأفلام فقط، بل تحول إلى منصة عالمية للنقاش حول أخطر القضايا المرتبطة بمستقبل الفن والإبداع في عصر الذكاء الاصطناعي.
أبرز المناقشات دارت حول سؤال محوري : هل أصبح الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة لصناع الأفلام، أم أنه يتحول تدريجيًا إلى «شريك إبداعي» قادر على كتابة السيناريو وتصميم المشاهد وصناعة الفيلم بالكامل؟
كما ناقشت الجلسات أزمة حقوق الملكية الفكرية، خاصة مع تصاعد الجدل حول تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على أفلام وأعمال فنية دون إذن أصحابها، إضافة إلى المخاوف من تقليد الأساليب البصرية للمخرجين والفنانين.
ومن أبرز القضايا التي أثيرت، مستقبل الوظائف الإبداعية داخل صناعة السينما، حيث انقسم المشاركون بين من يرى أن أدوات AI ستمنح الفرصة لصناع الأفلام المستقلين لإنتاج أعمال ضخمة بميزانيات محدودة، وبين من حذر من تهديد هذه التقنيات لوظائف كتّاب السيناريو والمونتيرين ومصممي المؤثرات والممثلين الصوتيين.
المهرجان طرح فكرة وصفها البعض بأنها الأخطر حتى الآن، وهي أن الذكاء الاصطناعي قد لا يغير طريقة إنتاج الأفلام فقط، بل قد يخلق «لغة سينمائية جديدة» بالكامل، تعتمد على التوليد الفوري للمشاهد، وتصميم العوالم الرقمية، ودمج أدوار المخرج والمصمم والمبرمج في شخص واحد.
ورغم الإبهار التقني، انتقد بعض النقاد ضعف العمق الإنساني والعاطفي في عدد من الأعمال المعروضة، معتبرين أن الذكاء الاصطناعي ما زال قادراً على إنتاج صور مبهرة، لكنه لم ينجح بعد في محاكاة المشاعر.
ميتا وهوليوود: صراع
على مستقبل صناعة المعرفة والإبداع
تصاعدت المواجهة بين صناعة الترفيه وشركات التكنولوجيا بعد رفع دعوى قضائية جديدة ضد شركةMeta ورئيسها مارك زوكربيرج، الدعوى التي تقدم بها تحالف يضم عدداً من دور النشر الكبرى مثل Hachette وMacmillan وMcGraw-Hill وElsevier وCengage، إلى جانب الكاتب الشهير Scott Turow، تتهم الشركة باستخدام ملايين الكتب والمقالات العلمية المحمية بحقوق النشر لتدريب نموذجها اللغوي Llama دون إذن أو تعويض.
واللافت في هذه القضية أنها لا تستهدف الشركة فقط، بل تمتد لتشمل اتهامات مباشرة بأن مؤسس فيسبوك نفسه «أجاز ووجه بشكل فعال» عمليات الانتهاك، وهو ما يعيد فتح الجدل حول ثقافة وادي السيليكون القائمة على السرعة في التطوير حتى لو اصطدمت بالحدود القانونية.
تتمحور القضية حول نقطة قانونية شديدة الحساسية: هل يمكن اعتبار تدريب الذكاء الاصطناعي على محتوى محمي حقوقيًا «استخدامًا عادلاً»؟
Meta تدافع عن نفسها مؤكدة أن تدريب النماذج يدخل ضمن إطار الاإستخداام العادل وفق القوانين الحالية، وأن أنظمتها لا تنسخ المحتوى بل «تحوّله» إلى معرفة جديدة.
الطرف الآخر يرى العكس ، معتبراً أن هذه النماذج لا يمكن أن تعمل دون الاعتماد على محتوى محمي تم جمعه أو قرصنته على نطاق واسع، وهو ما يشكل، بحسب الدعوى، واحدة من أكبر انتهاكات حقوق النشر في العصر الحديث.
ورغم أن القضية تبدو في ظاهرها نزاعاً بين شركات نشر وعملاق تقني، إلا أن تداعياتها تمتد مباشرة إلى هوليوود.
صناعة السينما والتلفزيون تراقب القضية عن كثب، خاصة أنها تواجه نفس الإشكالية: استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة، المونتاج، المؤثرات البصرية، وتطوير المحتوى.
خلال السنوات الأخيرة، اعتمدت الاستوديوهات بشكل متزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي في مراحل الإنتاج المختلفة، بينما تصاعد قلق المؤلفين والفنانين من أن يتم بناء هذه الأدوات على أعمالهم دون اعتراف أو تعويض، وهو ما كان أحد المحاور الأساسية في إضرابات هوليوود عام 2023.
القضية لا تتعلق فقط بالكتب أو المقالات، بل تعتبر جزءًا من معركة أوسع حول مستقبل المحتوى الإبداعي في عصر الذكاء الاصطناعي.
إذا حكمت المحكمة لصالح دور النشر، فقد تواجه شركات التكنولوجيا موجة جديدة من القيود، وربما تُجبر على الدخول في اتفاقيات ترخيص ضخمة لاستخدام البيانات في تدريب نماذجها.
أما إذا انتصرت Meta، فقد يُفتح الباب أمام نموذج جديد يسمح للشركات التقنية بالاعتماد بشكل أوسع على المحتوى المتاح، وهو ما قد يغير جذريًا قواعد صناعة المعرفة والإبداع.
دراسة: موسيقى الـ Ai
تؤثر عصبيا على المستمعين
كشفت دراسة حديثة أن الموسيقى المولدة باستخدام الذكاء الاصطناعي قد تمتلك تأثيرات عصبية مباشرة على المستمعين، وهو ما يفتح باباً جديداً لفهم العلاقة بين الدماغ والصوت المنتج آلياً.
وبحسب الدراسة، فإن الأنماط الموسيقية التي يتم توليدها عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على إثارة استجابات عصبية مشابهة لتلك التي تسببها الموسيقى التقليدية، مع اختلافات مرتبطة بطريقة بناء اللحن وتكرار الإيقاعات وتوزيع الترددات الصوتية.
وأشارت الدراسة إلى أن بعض المقاطع الموسيقية المنتجة بالذكاء الاصطناعي يمكن أن تؤثر على مناطق في الدماغ مسؤولة عن الانتباه والمزاج والاستجابة العاطفية، ما يشير إلى أن هذه الأنظمة أصبحت قادرة على محاكاة عناصر التأثير الموسيقي بشكل متقدم.
كما أوضحت النتائج أن الدماغ لا يميز دائمًا بين الموسيقى البشرية والموسيقى المولدة من حيث الاستجابة الأولية، لكن الفروقات تظهر مع الاستماع المطول، حيث يبدأ المستمع في إدراك اختلافات في «العمق العاطفي» والتطور الموسيقي.
.. والصين تحذف 250 ألف أغنية
في خطوة واسعة تعكس تصاعد القلق من المحتوى الموسيقي المنتج بالذكاء الاصطناعي، قامت الصين بحذف أكثر من 250 ألف أغنية مولدة بتقنيات الـAI من منصات البث الرقمي، على خلفية انتهاكات تتعلق بحقوق النشر والملكية الفكرية.
وجاءت هذه الإجراءات ضمن حملة تنظيمية موسعة تستهدف ضبط انتشار الأغاني التي يتم إنتاجها أو نشرها عبر أدوات الذكاء الاصطناعي دون وضوح في مصادر التدريب أو حقوق الاستخدام، خاصة مع الزيادة الكبيرة في هذا النوع من المحتوى خلال الفترة الأخيرة.
وبحسب ما تم تداوله من تقارير، بدأت الجهات التنظيمية مراجعة شاملة لمكتبات الموسيقى الرقمية بعد تزايد شكاوى من شركات الإنتاج وفنانين حول استخدام أعمالهم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي أو إنتاج محتوى مشابه لها دون إذن مسبق.
كما ركزت الحملة على المنصات التي تسمح بتحميل ونشر أغنيات يتم توليدها بالكامل بالذكاء الاصطناعي دون التحقق من الحقوق المرتبطة بالمحتوى، وهو ما اعتبرته السلطات تهديدًا مباشرًا لمنظومة الملكية الفكرية داخل صناعة الموسيقى.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يشهد فيه العالم جدلًا متصاعدًا حول الموسيقى المولدة بالذكاء الاصطناعي، بين من يراها فرصة لتوسيع الإبداع وإتاحة الإنتاج الموسيقي لشرائح أوسع، ومن يعتبرها خطرًا على حقوق الفنانين واستقرار الصناعة التقليدية، خصوصًا مع إمكانية تقليد الأصوات والأساليب الفنية بشكل دقيق.
وبذلك تعكس هذه الحملة اتجاهاً عالميًا متزايدًا نحو تشديد الرقابة على المحتوى الإبداعي الناتج عن الذكاء الاصطناعي، في ظل سؤال أكبر يفرض نفسه على صناعة الموسيقى: من يملك العمل الفني عندما تصنعه الخوارزميات؟
AMC
ترفض عرض فيلم «عيد الشكر»
رفضت سلسلة دور العرض AMC Theatres عرض الفيلم القصير المولد بالذكاء الاصطناعي Thanksgiving Day، رغم فوزه بالمركز الأول في مهرجان Frame Forward Animated AI Film Festival، ما أثار موجة جديدة من الجدل حول مكانة أعمال الذكاء الاصطناعي داخل قاعات السينما التقليدية.
وبحسب ما تم تداوله، أبلغت AMC شركة Screenvision Media في فبراير 2026 أنها لن تشارك في عرض الفيلم داخل صالاتها، كما انسحب TCL Chinese Theatre في هوليوود من عرض العمل أيضاً، ما أدى إلى منع وصول الفيلم إلى شبكات العرض السينمائي الكبرى التي كان يفترض أن يحصل عليها كجائزة للمهرجان.
الفيلم القصير Thanksgiving Day من إخراج المخرج الكازاخستاني إيجور ألفيروف، وهو عمل رسوم متحركة يدور حول دب ومساعده على متن مركبة فضائية غير تقليدية، في رحلة عبر الفضاء يواجهان خلالها الشرطة الفاسدة وخدمات توصيل غريبة داخل عالم ساخر وخيالي.
تم إنتاج الفيلم باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي مثل Google Gemini 3.1، إلى جانب أدوات أخرى، مع استخدام تقنيات معالجة لاحقة عبر Topaz Video AI.
الفيلم كان قد فاز عبر تصويت جماهيري ضمن أول دورة من مهرجان Frame Forward، الذي نظمته Modern Uprising Studios بالتعاون مع Screenvision Media، وكان من المفترض أن يحصل على عرض سينمائي وطني داخل الولايات المتحدة عبر شاشات ما قبل العروض الإعلانية في دور السينما.
قرار منع العرض جاء بعد موجة انتقادات حادة عبر الإنترنت عقب الإعلان عن العرض السينمائي للفيلم، حيث اعترض بعض المتابعين على فكرة عرض فيلم منتج بالذكاء الاصطناعي داخل دور سينما كبرى جنباً إلى جنب مع أعمال هوليوود.
ركزت الانتقادات بشكل أساسي على «الرسالة الرمزية» لعرض هذا النوع من الأعمال في قاعات العرض، أكثر من تقييم المحتوى الفني نفسه، باعتبار أن ذلك قد يساوي بين الإنتاج البشري والإنتاج المولد آليًا.
أصدرت AMC بيان رسمي أوضحت فيه أنها ليست طرفاً في إنتاج الفيلم أو في تنظيم المهرجان، مؤكدة أن Screenvision Media هي المسؤولة عن المحتوى المعروض قبل الأفلام في عدد محدود من صالاتها.
كما أكدت الشركة أنها أخطرت الجهة المنظمة بأن دور عرض AMC لن تشارك في هذا العرض. ولم تصدر TCL Chinese Theatre بيان رسمي ، لكنها أكدت انسحابها من العرض وفقًا لتقارير إعلامية.
من جهته، دافع منظمو المهرجان عن الفيلم، واعتبروه نموذج مبتكر لسرد القصص باستخدام الذكاء الاصطناعي، مشيرين إلى أنه يمثل تطور في الإبداع البصري. كما وصف أحد أعضاء لجنة التحكيم العمل بأنه «ممتع وخيالي»، معتبراً أنه يعكس قدرة الذكاء الاصطناعي على توسيع آفاق السرد في الرسوم المتحركة.
اقرأ أيضا: جدل حول دوره في الأعمال الإبداعية.. هل يغيّر الـ«AI» قواعد لعبة السينما؟
حمزة علاء الدين .. صاحب العود الذى حمل ذاكرة النوبة إلى الغرب
دياب ورمضان .. جدل وكوميكس
الذكاء الاصطناعى يدخل «مرحلة التطبيع»







