وابور الحلاجة والأمير.. حكاية «شمس الدلتا» التي أضاءت مصانع أوروبا

موضوعية
موضوعية


ماجدة شلبي

في قلب دلتا النيل وبين الحقول الممتدة التي كانت تتزين بزهرة القطن البيضاء وُلد واحد من أقدم وأهم المعالم الصناعية في تاريخ الريف المصري وهو محلج أقطان القرشية.

ذلك الصرح الذي لم يكن مجرد مصنع لحلج القطن بل مدينة صناعية متكاملة شهدت على عصر كانت فيه مصر تتصدر تجارة [الذهب الأبيض] إلى العالم كله.

في عام 1861 ميلادية الموافق 1278 هجرية وفي عهد والي مصر سعيد باشا بدأ إنشاء محلج القرشية ليصبح واحداً من أوائل محالج القطن المميكنة في مصر كلها.

وكان المحلج في بدايته ملكاً لوالدة الأمير الخديو إسماعيل الذي كان آنذاك ولياً للعهد حتى إن بوابة المحلج البحرية كانت تحمل شاهداً تاريخياً نقش عليه (سعادة إسماعيل باشا 1278 هجرية) وكأن العبارة لم تكن مجرد نقش على حجر بل شهادة ميلاد لمكان سيصبح لاحقاً أحد أهم رموز الصناعة في دلتا مصر.

في ذلك الزمن لم تكن قرية القرشية مجرد قرية ريفية هادئة بل كانت قلباً نابضاً بالحركة الاقتصادية والتجارية.

كانت عربات القطن تأتي من مختلف قرى وسط الدلتا محملة بمحصول الموسم الذي كان يمثل شريان الحياة للفلاح المصري، رجال بملابسهم الريفية البسيطة ودواب تجر العربات الثقيلة وأصوات العمال التي تمتزج بصوت ماكينات الحلج العملاقة كلها كانت تشكل لوحة يومية لا تغيب عن المكان.

كان القطن يدخل إلى المحلج محملاً ببذوره لتبدأ رحلة طويلة من العمل داخل (وابور الحلاجة) كما وصفه المؤرخ الكبير علي مبارك في كتابه الشهير الخطط التوفيقية.

داخل المبنى الضخم كانت الماكينات الحديثة وقتها تقوم بفصل القطن عن بذوره بطريقة آلية مبهرة بالنسبة لذلك العصر ثم يُجمع القطن المحلوج في (بالات) ضخمة تُرص بعناية داخل الشونة الواسعة الملحقة بالمحلج.

ولم يكن المحلج مجرد مبنى صناعي بل كان مدينة صغيرة قائمة بذاتها.

مساحته التي قاربت فداناً ونصف الفدان كانت تضم منشآت عديدة إلى جانب الشونة الواسعة ومحطة السكة الحديد الخاصة به والتي كانت تختلف تماماً عن محطة الركاب الموجودة حالياً بقرية القرشية.

كان للمحلج خطان من قضبان السكك الحديدية يتفرعان من خط خط (محلة روح – زفتى) يمتدان حتى قلب المحلج لتقف عربات القطار في انتظار تحميل بالات القطن تمهيداً لرحلتها الكبرى نحو ميناء الإسكندرية.

هناك عند محطة المحلج كانت الحياة لا تهدأ؛ عمال يحملون البالات على أكتافهم وآخرون يثبتونها داخل عربات القطار الخشبية بينما يقف المشرفون يسجلون الكميات والأوزان بدقة شديدة لأن القطن المصري وقتها لم يكن مجرد محصول زراعي بل ثروة قومية تعتمد عليها خزائن الدولة.

ومن القرشية إلى الإسكندرية كانت الرحلة تبدأ، القطارات المحملة بذهب الدلتا الأبيض تشق طريقها عبر الأراضي الزراعية حتى تصل إلى ميناء ميناء الإسكندرية حيث تُشحن البالات على السفن المتجهة إلى أوروبا خاصة مصانع إنجلترا التي كانت تعتمد بشكل كبير على القطن المصري طويل التيلة المعروف بجودته العالمية.

قبل إنشاء شركة مصر للغزل والنسيج بنحو 66 عاماً كان محلج القرشية يؤدي دوراً محورياً في تصدير القطن الخام إلى مصانع النسيج الإنجليزية في زمن كانت فيه الصناعة الأوروبية تعتمد بشكل أساسي على المحصول المصري.

وتثبت الوثائق التاريخية هذه المكانة الكبيرة للمحلج إذ لا تزال هناك صورة نادرة من جريدة تشير بوضوح إلى تصدير بعض إنتاج محلج القرشية إلى الأسواق الأوروبية عبر ميناء الإسكندرية في دليل يؤكد أن اسم القرشية كان معروفاً خارج حدود مصر منذ أكثر من قرن.

حول المحلج نشأت حياة كاملة، مساكن للعاملين بُنيت بطريقة مميزة يتقدم كل منزل منها حديقة صغيرة في مشهد لم يكن معتاداً وقتها في القرى الريفية.

وكان العمال يأتون من مناطق مختلفة للعمل داخل هذا الصرح الصناعي الكبير حتى تحولت القرشية إلى مجتمع يعج بالحركة والعمل والتجارة.

الطريق الزراعي المحيط بالمحلج من الجهتين الشرقية والبحرية الممتد من شبرا اليمن إلى طنطا مروراً بالقرشية كان شاهداً يومياً على حركة النقل والتجارة.

قوافل القطن لا تتوقف وعربات الخيول تسير جيئة وذهاباً فيما يعلو صوت صفارات القطارات القادمة لتحمل محصول الموسم إلى العالم.

ورغم مرور عشرات السنين لا يزال أهالي القرشية يتحدثون عن المحلج وكأنه جزء من روح القرية نفسها.

الكبار يتذكرون أيام العمل المزدحمة ورائحة القطن التي كانت تملأ المكان وأصوات الماكينات التي لم تكن تتوقف إلا مع نهاية اليوم.

أما الأجيال الجديدة فتسمع الحكايات وكأنها أسطورة قديمة عن زمن كانت فيه القرشية واحدة من أهم القرى الصناعية في مصر.

ومع تغير الزمن انتقلت ملكية المحلج وإدارته بين جهات مختلفة فبعد أن أصبح تحت إدارة مصلحة الدومين آل فيما بعد إلى هيئة الأوقاف لكنه ظل محتفظاً بقيمته التاريخية الكبيرة باعتباره شاهداً على مرحلة مهمة من تاريخ الاقتصاد المصري.

لم يكن محلج القرشية مجرد مكان لحلج القطن بل كان رمزاً لعصر كامل ازدهرت فيه الزراعة والصناعة والتجارة المصرية.

عصر كانت فيه قرى الدلتا تصنع تاريخاً اقتصادياً يصل صداه إلى أوروبا.

واليوم حين يقف أحد أبناء القرشية أمام بقايا ذلك المكان العريق قد لا يرى مجرد مبانٍ قديمة أو قضبان صدئة بل يرى تاريخاً كاملاً محفوراً في الجدران والأرض والذاكرة.

يرى حكايات العمال والفلاحين والقطارات والسفن ويرى كيف استطاعت قرية صغيرة أن تصبح ذات يوم محطة رئيسية في طريق القطن المصري إلى العالم.

سيظل محلج القرشية واحداً من العلامات المضيئة في تاريخ الغربية ودلتا مصر كلها ليس فقط لأنه من أقدم محالج القطن في البلاد بل لأنه يحكي قصة وطن كان القطن فيه عنواناً للقوة الاقتصادية وكانت القرى المصرية قادرة على صناعة المجد.

ولهذا لم يكن غريباً أن يردد أبناء القرشية دائماً عبارتهم الشهيرة: (القرشية شمس لا تغيب.)

اقرأ أيضًا | وزير الزراعة: حظر نقل أقطان الزهر بين الوجهين البحري والقبلي دون ترخيص