جاذبية الشّر تطغي أحيانا

هل تورط الأدب والفن في تجميل الحروب؟!

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


العدوى انتقلت من الرواية إلى السينما

 ديوان جمعي عربي لادانة العدوان الثلاثي

«تولستوي» قدم نصا انسانيا عن المحنة

 

 

عبر التاريخ الإنساني، لم تُخلّد الحروب فقط في كتب التاريخ أو سجلات المعارك، بل في أعماق الروح الإنسانية في الحروب؛ عندما يسقط الضحايا تتناثر حكاياتهم التي لا تجد طريقها إلى كتب التاريخ بل إلى الروايات، والأفلام، واللوحات، هنا يتحول الدم إلى معني، والخراب إلى سؤال، والشر إلى تجربة إنسانية تُخلد في ذاكرة الجماهير، في هذا التحقيق نحاول الاقتراب من مفارقة "جاذبية الشر": كيف يصبح القُبح مادة للإبداع؟ وكيف نجح الأدب والفن، عبر العصور، في تحويل المأساة إلى ذاكرة حية، وسؤال أخلاقي مفتوح، يتجاوز حدود الزمان والمكان؟

 

تشكيل الوعي الأدبي والفني

البداية تنطلق من توضيح دور الحروب في تشكيل الوعي الأدبي والفني عبر العصور، وعن ذلك تقول الناقدة د. غراء مهنا، إن كتابة الحرب تعبر عن إرتباط الأدب بالحدث ودعوته لمناهضة الحرب والصراعات. إن أدب الحرب سواء كان سردآ أو شعرآ يحذر ويدين، يكتب الماضى ويشهد على الحاضر، ويدير مسار التاريخ. ونتساءل هل الكتابة الأدبية عن الحرب خطابآ مرجعيآ يسرد تتابع الوقائع أم خطابآ جماليآ قد يكون حقيقيآ أو متخيلآ؟

وتضيف "غراء": يراجع الشعر نفسه فى الأزمات والحروب، ويغير من لونه وشكله وفقآ للأحداث من حوله، ويصبح وطنيآ يمتد بجذوره فى التاريخ ويستلهم أفكاره من وقائع وأحداث يمربها الوطن، وهو أكثر أنواع الأدب تعبيرآ عن مشاعر الناس. والحرب يجئ التعبير عنها أحيانا فى شكل روائى، يكتب المؤلف ما شاهده بعينيه وما سمع عنه من وقائع وأحداث. ويقدم أدب الحرب شهادات حقيقية فيصبح دعوة للحركة، ومقاومة للظلم والطغيان، ويصبح أكثر إلتزامآ وشديد الصلة بالأحداث. ويعبر أدب الحرب عن أفكار الناس وآمالهم، ويقدم لهم الوقائع للتوعية بما يحدث، ويقدم حقائق الأموربعيدآ عن الدعايات والأخبار المغرضة.

وتختتم "غراء" بقولها: فى الفن نعطى مثالاً على الدور الذى لعبته لوحة الفنان العالمى بابلو بيكاسو بعنوان" جرنيكا"؛ وهو إسم المدينة التى تعرضت للكثير من مآسى الحرب الأسبانية عام 1936، والتى ألهبت حماس الشعراء ومشاعر الناس.

 

الحرب والكتابة الإنسانية

الحروب كانت دائمًا مادة خصبة للإبداع. بداية من حروب الجاهلية ـ داحس والغبراء ـ وحرب البسوس، مرورًا بحرب نابليون على روسيا، والحربين العالميتين الأولي والثانية، وصولًا إلى حرب غزة، وجد الأدباء والفنانون في الدم والدمار مصدرًا للفلسفة الإنسانية، وإبداعًا يليق بسؤال الخلود. ويقول الناقد د. حسين حمودة: قدمت الحروب، عبر تاريخ طويل، مادة غنية للأدب وللإبداع عموماً، خلال تعبيرها عن الشر من وجهتين: وجهة من يرتكبونه، ووجهة من يواجهونه. وهناك أعمال إبداعية استطاعت، أكثر من غيرها، التعبير عن الأبعاد المتعددة للحرب من منظور رحب، متقص، وإنساني في النهاية.. وربما على رأس هذه الأعمال، في مجال الرواية، رواية تولستوي العظيمة (الحرب والسلام)، ورواية إريك ماريا ريمارك (كل شيء هادئ في الميدان الغربي)، ورواية نيكوس كازانتزاكيس (الحرية أو الموت).

ويضيف "حمودة": القاسم المشترك بين هذه الأعمال، والواضح تماما في رواية تولستوي التأسيسية بحق، يتمثل في التركيز على ويلات الحرب، بجوانبها المعلنة والخفية، وعلى الارتقاء بوقائعها المرجعية المحددة، المرتهنة بتاريخ محدد، إلى مستوى طرح الأسئلة الوجودية الأبدية حول ماهية الحروب، وفظائعها، وآثارها على عدد كبير من الشخصيات الإنسانية، الفردية والجماعية.

 

شهادة إنسانية على الوحشية

لم يقف تخليد الحرب والشر عند حدود الرواية، بل امتد إلى العديد من الفنون الإبداعية الأخري، مثل رسم اللوحات، كما في لوحة "غرنيكا" لبيكاسو، التي خلدت القصف الألماني والإيطالي على المدينة الإسبانية عام 1937. فاللوحة لم تكن مجرد تصوير، بل شهادة إنسانية وجمالية على وحشية الحرب الأهلية الإسبانية. الناقد الفني عصام زكريا، يرى أنه لا توجد طريقة واحدة لتصوير الشر في الفن، إذ تتعدد بتعدد الفنانين واختلاف أشكال التعبير الفني، فضلًا عن تنوع المرجعيات الإنسانية والفلسفية التي تحكم هذا التصوير. وفيما يتعلق بالحرب تحديدًا، يوضح أن هناك نمطًاً من الأعمال الفنية ينتمي إلى خطاب الدعاية (البروباجندا)، وهو ما قد يؤدي، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى تشجيع الحرب. في المقابل، يشير "زكريا" إلى وجود نوع آخر من الأعمال الفنية، تركز هذه الأعمال على إبراز فداحة الحرب بوصفها قوة مدمرة لا تخلّف منتصرين، إذ تلحق الأذى بالجميع، سواء المنتصر أو المهزوم.

 

لماذا ينجذب الإنسان للقبح؟

السر يكمن في "جماليات القبح"، أو ما يُسمّى جماليات الشر والشرير. الإنسان يجد نفسه مفتونًا بالشخصيات التي تصل إلى أقصى حدود الشر، أو بالمجازر التي يُوثقها الأدب والفن، لأنه يواجه من خلالها مرآة حقيقية لطبيعته، ولحدود القوة والعدالة والضمير، وتعتبر روايتا "لمن تقرع الأجراس" لإرنست همنغواي و "الشرط الإنساني" لأندريه مالرو، اللتين ركزتا على صراع الفرد في مواجهة الحرب والموت والظلم الأيديولوجي، من أهم النصوص التي تتناول القتل والفوضى، ليست مجرد سرد للعنف، بل تحليل نفسي وأخلاقي للإنسان في أقسى حالاته.

وهنا يكون السؤال: لماذا يلجأ الأدب المعاصر إلى تصوير الشر والحروب، وما الدافع الإنساني وراء ذلك؟ ويجيب الباحث والأديب مصطفي عبيد، قائلاً: لأنها حقيقة، منطقتنا تحديداً ـ الشرق الأوسط والمنطقة العربية ـ هي مناطق صراعات وبؤرة حرب وقتال دائماً، على مدى أكثر من سبعين عاماً نعاني من الصراع العربي الإسرائيلي، إلى جانب الصراعات والنزاعات الداخلية، ما يجعل موضوع الحرب حاضرًا بقوة في الأدب. خاصة أن هذه الوقائع ليست طارئة بل يومية ومستمرة، لذا يصبح من الضروري أن يعبر عنها الأدب، ويضيف "عبيد": قوة النص الأدبي وجاذبيته تنبع من احتوائه على صراع وتحولات، إذ يثير ذلك اهتمام القارئ أكثر، وتمثل الحروب أعلى درجات الصراع.

تفريغ المشاعر المكبوتة

ماسبق ينقلنا إلى التساؤل: لماذا يحتاج الإنسان نفسيًا إلى تحويل الصدمات الجماعية كالحروب إلى سرديات فنية؟ ولماذا ينجذب لمشاهدة العنف والشر في الفن؟ وتجيبنا د. آمال عادل، أستاذ علم النفس التربوي، بأن مشاهدة العنف في الفن تسمح للإنسان بتفريغ مشاعره المكبوتة كالخوف والغضب، بطريقة آمنة. الإنسان لديه فضول فطري تجاه الممنوع والمخيف، فكل إنسان لديه جانب مظلم مكبوت، والفن يتيح له مواجهته بشكل غير مباشر. وأضافت أن العنف في الفن يرفع مستوى الإثارة العصبية (الأدرينالين)، مثل أفلام الأكشن أو الرعب. والإنسان أحيانًا يبحث عن هذا الإحساس لأنه يخلق تجربة قوية وبدون خطر حقيقي.

الحرب والأدب العربي

الحروب في المنطقة العربية كانت دائمًا حاضنة للنصوص الأدبية التى شكلت سجلًا حيًا لشرور الحروب، يحفظها وينقلها عبر الأجيال، والكتابة هنا لا تحكي الحرب فقط، بل تحلل الشر، وتوثق معاناة الإنسان العادي، وتحوّلها إلى حكاية أخلاقية وجمالية، تصل إلى قلب القارئ وتترك أثرًا مستدامًا. ويقول الناقد د. يوسف نوفل: رصدت حركة الشعر العربي شرور الحروب على مر العصور، وذلك منذ أقدم سنوات العصر الجاهلي، وليس هناك أهم مما دار حول ما عرف بحرب "داحس والغبراء"، واستمر هذا الأمر من القديم إلى الحديث والمعاصر، حيث صور الشعر والأدب عامة في فنونه المتنوعة شرور الحربين العالميتين الأولى والثانية، وشهد العالم العربي الشر متجسداً في الواقع ومجسداً في الشعر من خلال أحداث حرب فلسطين عام 1948 والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وقد أصدرت مصر ديوانا جمعياً للشعراء العرب حول ذلك العدوان الثلاثي الآثم. وهكذا صورت الآداب شّر الحروب حتى كانت اللحظة الراهنة التي شهدتها أرض غزة.

الفن لمقاومة الشر

لم يقتصر الأمر على الكتابة، بل امتد إلى السينما والفنون البصرية. فالأدب والفن يواجهان الشر، ليس بإخفائه، بل بتسليط الضوء عليه بطريقة تجعل المتلقي يفهم، ويتأمل، ويقاوم. وعن دور السينما في تصوير الشر، يقول الناقد السينمائي خالد محمود: لطالما لعبت السينما دورًا محوريًا في تفكيك صورة الشر، ليس فقط بوصفه فعلًا فرديًا، بل كمنظومة معقدة تتشابك فيها السلطة، والخوف، والصمت الجمعي. منذ أفلام مثل "Schindler's" مثل فيلم  "12 Years a Slave"، الذي قدّم تصويرًا قاسيًا وواقعيًا لحقبة العبودية في الولايات المتحدة  وصولًا إلى أعمال معاصرة مثل " صوت هند رجب "، تكشف انتهاكات الحروب والتمييز، لم تعد الشاشة مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة للوعي والمساءلة. ويضيف "خالد": السينما تمنح الضحايا صوتًا وصورة، وتعيد صياغة الواقع بما يوقظ الضمير الإنساني، وتدفع المتلقي للتفكير في مسؤوليته تجاه ما يشاهده.

 

فى نهاية هذا التحقيق نستطيع التأكيد بأن: الحرب والشر يلهمان الأدب والفن اللذين يخلدان الحرب والشر، وأيضاً؛ يعلّمان الإنسان الدروس الأخلاقية والجمالية. وهنا يكمن سر الإنسانية فى القدرة على تحويل الدمار والدم والألم إلى قصص تحمل دروسًا خالدة عن الإنسانية والعدالة والضمير، ومقاومة الشر.