أما بعد

محمد صلاح يكتب: كفى ضجيجًا

محمد صلاح
محمد صلاح


■ بقلم: محمد صلاح

فى السنوات الأخيرة أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لكل الآراء، الإيجابية والسلبية، وشاع هذه الأيام الهجوم على بعض الشخصيات العامة حتى بعد وفاتهم، والملاحظ أن كثيرا من الفنانين الذين صنعوا تاريخاً من العطاء يتعرضون بعد وفاتهم لحملات تشويه ومحاولات للنيل من تاريخهم الفنى، وكأن البعض يتناسى أن الموت له حرمته، وأن الاختلاف لا يبرر الإساءة،

فالفنان الحقيقى لا يقيم بخطأ عابر أو موقف يختلف حوله الناس، بل يقاس بما قدمه لوطنه وفنه وجمهوره عبر سنوات عطائه، فالفن جزء من ذاكرة الشعوب، والأغانى والأعمال الفنية ترتبط بمشاعر الناس وذكرياتهم وأفراحهم وأحزانهم، لذلك فالإساءة إلى الرموز الفنية بعد رحيلهم لا تمس الشخص وحده، بل تمس جزءا من الوجدان المجتمعى. 

ومن المؤسف أن البعض يستغل وفاة الفنان وعدم قدرته على نفى الشائعات أو الرد على الروايات غير الصحيحةوالتى تهدف إلى إثارة الجدل وجلب المشاهدات، بالبحث عن «التريند» حتى لو كان على حساب سمعة شخص أفنى عمره فى خدمة المجتمع، وتزداد المشكلة عندما يتناقل الناس تلك الأخبار دون تحقق، فتتحول الأكاذيب مع الوقت إلى واقع .

إن النقد الموضوعى حق مشروع، لكن هناك فرق كبير بين النقد المحترم وبين التشويه المتعمد والإساءة الشخصية، فالنقد يهدف إلى التقويم، أما التشويه فيهدف إلى الهدم، والمجتمعات الراقية هى التى تحترم تاريخ مبدعيها حتى عند الاختلاف معهم.

لقد علمتنا القيم الدينية احترام الموت، وعدم الخوض فى أعراض الراحلين، فالإنسان عندما يغادر الدنيا تنقطع قدرته على الدفاع عن نفسه، ويبقى تاريخه وأعماله فقط، ولذلك فإن الإنصاف يقتضى أن نذكر الإيجابيات قبل السلبيات، وأن نتعامل بقدر من الرحمة والموضوعية.

إن الأعمال الفنية ستظل أقوى من حملات التشويه المؤقتة، لأن الزمن وحده هو القادر على فرز الحقيقة من الضجيج، فالفنان الذى يترك أثرا حقيقيا فى قلوب الناس يبقى حاضرا بأعماله مهما حاول البعض التقليل من قيمته أو تشويه صورته بعد الرحيل.