قبل سنوات، وعلى متن رحلة عائدة من نيويورك إلى القاهرة، جلستُ إلى جوار مهندس مصرى هاجر إلى الولايات المتحدة منذ سنوات طويلة. كان الرجل يحمل ملامح الغربة الثقيلة، لكن عينيه كانتا معلقتين بالقاهرة كأنها موعد نجاة. تبادلنا أطراف الحديث، فأدهشنى أنه جاء إلى مصر لا لزيارة أهله فقط، بل لعلاج أسنانه وشراء الخبز البلدى الأسمر!
سألته بدهشة: وهل تستحق رحلة علاج الأسنان كل هذه المشقة، بينما تمتلك أمريكا أحدث المستشفيات وأقوى نظم التأمين الصحى؟
ابتسم ابتسامة العارف بما وراء الصورة اللامعة، وقال: «هذه هى الدعاية.. أما الحقيقة فشىء آخر. العلاج هناك مكلف بصورة لا تُصدق، بينما الطبيب المصرى يملك خبرة ومرونة وإنسانية لا تجدها بسهولة».
ولم تكن تلك الواقعة استثناءً، صديق آخر يقيم فى ألمانيا كان يؤجل معظم زياراته الطبية حتى موعد إجازته السنوية فى مصر، وحين سألته: كيف تترك نظامًا صحيًا يُقال إنه من الأفضل فى العالم؟
روى لى تجربة قاسية مع تشخيص غير دقيق وعلاج امتد بلا جدوى، ثم قال جملة تختصر الحكاية كلها: «الطبيب المصرى ابن مدرسة واسعة من الخبرات والتجارب الإنسانية، ولذلك يقرأ المرض أحيانًا بعين لا تراها الأجهزة».
تجربة السفير البريطانى
أما الحوار الأكثر دلالة، فكان مع السفير البريطانى السابق جاريث بايلي، حين تحدث عن انفتاح بريطانيا على استقدام الكفاءات الطبية. يومها قال لى إن الطبيب الذى كان يشرف على علاج والده طبيب مصرى، ثم أضاف بثقة لافتة: «الأطباء المصريون هم الأفضل فى بريطانيا».
أعلم أننى أقول ذلك بينما تعصف بمواقع التواصل زوبعة صاخبة أثارها أحد الأطباء المصريين الراحلين حول ما سُمّى بـ«نظام الطيبات»، وما فتحه من أبواب جدل لا تزال مشتعلة حتى الآن، وأتفهم هذا الجدل؛ فالعلم بطبيعته ساحة للاجتهاد والاختلاف، لكن ما لا خلاف عليه أن المدرسة المصرية فى الطب ليست وليدة الأمس، بل تضرب جذورها عميقًا فى زمن المصرى القديم، الذى لم يكتفِ بإبهار العالم بأسرار التحنيط، وإنما ترك أيضًا وصفًا دقيقًا لأمراض وعلاجات دوّنتها البرديات الطبية، وحفظتها جدران المعابد كشهادة مبكرة على عبقرية الإنسان المصرى.
ورغم كل الجدل، تبقى النماذج المصرية الكبرى فى الطب شاهدًا حيًا على عمق هذه المدرسة، ولعل النموذج الأبرز هو البروفيسور السير مجدى يعقوب، جراح القلب المصرى الذى حصل على لقب «فارس» من المملكة المتحدة، وأصبح أحد أساطير الطب فى العالم بعدما أجرى آلاف العمليات الدقيقة، ليبقى اسمه دليلًا على أن الطبيب المصرى قادر على المنافسة فى أعلى المستويات العالمية.
الهدف الحقيقى من هذا الطرح ليس مجرد الدفاع عن كفاءة الطبيب المصرى، وإنما البحث الجاد عن كيفية تعظيم الاستفادة من القوة الطبية الناعمة التى تمتلكها مصر، وتحويلها إلى أحد روافد الدخل القومى، عبر توطين سياحة العلاج والاستشفاء، وجعل مصر مركزًا إقليميًا وعالميًا لهذا القطاع الواعد.
التقارير الاقتصادية الدولية تتحدث عن تطور سوق السياحة العلاجية وأنها من أسرع القطاعات نموًا فى الاقتصاد العالمى، بعدما تجاوزت قيمتها نحو 207 مليارات دولار خلال الربع الأول من عام 2026، مع توقعات بارتفاعها إلى ما يقرب من 250 مليار دولار بحلول عام 2034، بمعدلات نمو متسارعة تتجاوز 23% سنويًا، وبينما تستحوذ آسيا وأوروبا حاليًا على النصيب الأكبر من هذه السوق المزدهرة، تبدو مصر -بتاريخها الطبى العريق، وكفاءاتها البشرية، وموقعها الجغرافى الفريد- مؤهلة أكثر من أى وقت مضى لتصبح «قِبلة سياحة الشفاء» فى العالم.
ومصر ليست وافدًا جديدًا على هذا المجال، فاشتهارها بالسياحة العلاجية يعود إلى آلاف السنين بفضل مقومات طبيعية نادرة، من العيون الكبريتية والمعدنية، إلى الرمال ذات الخصائص العلاجية، مرورًا بمناخ متنوع ومياه البحر الأحمر التى أثبتت الدراسات دورها فى علاج بعض الأمراض الجلدية، وهى عناصر تمنح مصر أفضلية حقيقية فى سوق عالمى شديد التنافسية.
وقد حظى ملف تطوير المنظومة الصحية وتأهيل الكوادر الطبية باهتمام متزايد خلال السنوات الأخيرة، كما تمتلك مصر بنية تحتية طبية متطورة تضم مستشفيات معتمدة دوليًا، وكوادر بشرية مؤهلة، إلى جانب تكلفة علاج مناسبة مقارنة بالعديد من الدول، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية كبيرة.
اهتمام القيادة السياسية
وإيمانًا من القيادة السياسية بأهمية هذا القطاع، أَولى الرئيس عبد الفتاح السيسى اهتمامًا كبيرًا بتأهيل الكوادر الطبية عبر برامج التأهيل فى الأكاديمية الطبية العسكرية كجزء من استراتيجية وطنية لتطوير المنظومة الصحية، ليصبح خريج كلية الطب «مشروع دولة» قادرًا على المنافسة عالميًا.
وأعلم أن خطة مصر 2030 تحدثت عن السعى لتحويل مصر إلى مركز إقليمى للسياحة العلاجية، وأن الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة، يتعامل مع الفكرة بجدية عبر توسيع الخدمات العلاجية والاستشفائية فى مختلف المحافظات، بالتوازى مع جذب الاستثمارات الصحية ورفع جودة الخدمة الطبية، بما يعزز قدرة مصر التنافسية فى هذا القطاع العالمى سريع النمو، لكن الأمر يحتاج أيضًا إلى فتح المجال أمام القطاع الخاص للدخول بقوة إلى هذا القطاع الواعد، مع منح المستثمرين مزايا ومحفزات تشجعهم على ضخ المزيد من الاستثمارات، إلى جانب توفير دعاية وتسويق جيدين لهذا الملف حول العالم.
وفى تصورى، فإن المدخل الحقيقى يبدأ بالبناء على النجاحات التى تحققت فى قطاع السياحة خلال الأعوام الأخيرة، وما نجحت فيه مصر من ترسيخ صورة ذهنية مستقرة وسط إقليم يموج بالاضطرابات. وكذلك البناء على التغيّر العالمى فى المزاج السياحى؛ فالسائح لم يعد يسافر فقط لالتقاط الصور أمام الآثار أو قضاء عطلة على الشواطئ، بل أصبح يسافر أيضًا بحثًا عن العلاج أو النقاهة أو استعادة القدرة على الحياة.
ويمكن الاستفادة من التجربة الهندية بعد تحولها إلى مركز عالمى لجراحات القلب والعظام والأورام، ليس لأنها تمتلك معجزة استثنائية، وإنما لأنها امتلكت الإرادة لتحويل كفاءة أطبائها إلى مشروع دولة. وهنا تبرز المفارقة المصرية؛ فالطبيب المصرى لا يزال يحتفظ بمكانة خاصة فى الوجدان العربى والإفريقى، آلاف الأطباء المصريين يديرون مستشفيات وأقسامًا طبية فى الخليج وأوروبا وإفريقيا، والمرضى العرب لا يزالون يبحثون عن «الطبيب المصرى» باعتباره عنوانًا للخبرة والإنسانية معًا.
لقد امتلكت مصر الطبيب، وامتلكت المستشفيات، لكنها لم تُحوّل العلاج إلى صناعة قومية مرتبطة بالسياحة والطيران والاستثمار والتسويق الدولى.
ومن هنا تكتسب تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسى حول الوصول إلى 30 مليون سائح سنويًا أهمية مختلفة؛ فالمعادلة لم تعد مجرد زيادة أعداد الوافدين، وإنما رفع القيمة الاقتصادية لكل زائر، والسائح العلاجى يُعد من أعلى السائحين إنفاقًا وإقامة واستهلاكًا للخدمات، لأنه لا يأتى بمفرده غالبًا، بل يأتى معه مرافقون، وإقامة طويلة، وبرامج نقاهة، وحركة اقتصادية كاملة. كما أن مصر تمتلك عنصرًا حاسمًا لا تنجح السياحة العلاجية بدونه، وهو الأمن.
ولا توجد دعاية أفضل من زيارات الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون المتكررة إلى مصر، وتريُّضه الصباحى فى شوارع مدينة الإسكندرية وسط الناس. فالصورة أحيانًا تُنجز ما لا تُنجزه عشرات الحملات الدعائية، وعندما يرى العالم رئيس دولة أوروبية كبرى يتحرك بأريحية وأمان فى مدينة مصرية، فإن الرسالة تصل مباشرة: هنا دولة مستقرة، قادرة على الحياة، وقادرة على استقبال العالم.
وهذه بالضبط هى البيئة التى تحتاجها السياحة العلاجية.
غير أن الطموح وحده لا يكفى، فالدخول الحقيقى إلى هذا المجال يحتاج إلى اعتماد دولى أوسع للمستشفيات المصرية، وتأشيرات علاجية سريعة، ومنصات تسويق عالمية، وبرامج متكاملة تربط بين العلاج والنقاهة والسياحة.
كما يحتاج -وهذا هو الأهم- إلى إعادة تقديم الطبيب المصرى للعالم بوصفه أحد أهم أصول القوة الناعمة المصرية.
وربما تكون اللحظة الحالية مواتية أكثر من أى وقت مضى.

نوال مصطفى تكتب: صباح الأحد
التغيير للأفضل
المركز الطبى العالمى







