فى لحظةٍ سياسية شديدة الحساسية، اختار زهران ممدانى عمدة نيويورك، أن يفتح واحدة من أكثر الجبهات اشتعالًا داخل المشهد الأمريكي؛ جبهة حرية التعبير، وحدود النفوذ السياسي، وحق المواطنين فى الاعتراض على الحروب والاحتلال دون أن يتحولوا إلى متهمين أو منبوذين.
قرار إلغاء الأوامر التنفيذية التى أصدرها سلفه «إيريك أدمز» بدا أقرب إلى إعلان سياسى واضح ضد مرحلةٍ جرى خلالها توسيع مفهوم «الولاء السياسي» على حساب الحقوق الدستورية. والأكثر إثارة للانتباه أن القرار شمل إسقاط إجراءات كانت تمنع موظفى المدينة من المشاركة فى حركة المقاطعة، وهى الحركة التى تحولت خلال السنوات الأخيرة، إلى ساحة صراع مفتوح بين أنصار حرية الاحتجاج، و»لوبيات» الضغط الداعمة للاحتلال الإسرائيلي.
ما فعله ممدانى لا يمكن عزله عن المناخ الأمريكى المضطرب منذ اندلاع الحرب على غزة؛ حيث صار مجرد انتقاد سياسات الاحتلال الإسرائيلى كافيًا لاتهام صاحبه بمعاداة السامية، فى خلطٍ متعمّد بين الكراهية الدينية، وبين الموقف السياسى من دولة تمارس الاحتلال والحصار والحرب. ولهذا تحديدًا، بدا حديثه عن «التعريف الفضفاض لمعاداة السامية» بالغ الدلالة، لأنه يلامس واحدة من أخطر الإشكاليات التى تهدد الديمقراطية الغربية نفسها.
الأهم أنه لم يقدّم نفسه بوصفه ناشطًا أيديولوجيًا، بل كمسؤول يحاول استعادة المعنى الأصلى لحرية التعبير. فالمقاطعة، مهما اختلفت الآراء حولها، تبقى شكلًا من أشكال الاحتجاج السلمى الذى عرفته الديمقراطيات الحديثة طويلًا، من مقاومة الفصل العنصرى فى جنوب أفريقيا، إلى حركات الحقوق المدنية داخل الولايات المتحدة نفسها.
ما أزعج خصوم ممدانى الرسالة الكامنة خلف قراراته؛ أن الديمقراطية الحقيقية لا تُقاس بعدد الشعارات التى ترفعها الدول عن الحرية، بل بقدرتها على احتمال الأصوات التى تنتقد سياساتها وحلفاءها. فحين يصبح الاعتراض تهمة، والمقاطعة جريمة، والنقد مدخلًا للتخوين، لا تعود الحرية حقًا مكفولًا، بل امتيازًا تمنحه السلطة لمن يصفق لها فقط. ولهذا بدا قرار عمدة نيويورك أشبه بمحاولةٍ لاستعادة المعنى المفقود للكلمة؛ أن يكون للإنسان الحق فى أن يقول «لا» دون أن يدفع ثمن صوته ومستقبله ومكانه فى المجتمع.

الذكاء الاصطناعى سفينة نوح
الكل فى «ضهر المنتخب»
انتهاك إيرانى







