فى الصميم

أمريكا والصين.. تغيرت موازين القوى

جلال عارف
جلال عارف


ما أبعد الفارق بين عالم الأمس وعالم اليوم.. وما أكثر التغيرات التى تتوالى بمعدلات لم يكن أحد يتصورها.. قبل أكثر من نصف قرن ببضع سنوات كان العالم يشهد قنبلة سياسية مدوية حين كان الرئيس الأمريكى الأسبق نيكسون يبدأ عصرًا جديدًا فى العلاقات مع الصين ويذهب للقاء رئيسها «ماو» منهيًا الحصار الأمريكى للمارد الصيني، ومراهنًا على استراتيجية وضعها وزير خارجيته كيسنجر لاستغلال الخلافات بين قطبى العالم الشيوعى يومها «الصين والاتحاد السوفيتى» لحسم الحرب الباردة وضمان الهيمنة الأمريكية الكاملة على النظام العالمى.


الآن.. يذهب الرئيس الأمريكى ترامب إلى الصين فى زيارة مهمة ولكن فى ظروف أخرى وعالم مختلف.. الصين التى كانت دولة نامية تكافح الفقر وتريد تعويض سنوات طويلة من المعاناة تحولت إلى مارد اقتصادى وإلى المنافس الأهم لأمريكا على قمة النظام العالمى.. وبعد سنوات من سياسة «إخفاء القوة» التى اتبعتها الصين لتركز على تنمية اقتصادها فتحت الباب أمام سياسات جديدة لترجمة قوتها الاقتصادية إلى نفوذ سياسى وقوة عسكرية تحمى صعودها وهى تنافس على المقدمة فى نظام دولى جديد مازالت ملامحه تتشكل ولكنه قادم لا محالة!!


تغيرت موازين القوى بلا شك، مازالت الولايات المتحدة فى المقدمة لكن الصين لم تعد بعيدة والفجوة تقل بسرعة هائلة، إلهام هنا أن التداخل الكبير جدًا بين الاقتصادين الأمريكى والصينى يفرض ضوابط للمنافسة أو الصراع، لا تستطيع الصين الاستغناء عن السوق الأمريكية، ولا تستطيع أمريكا مقاطعة مستلزمات الإنتاج اللازمة لصناعاتها الأساسية التى توردها الصين، المحادثات التجارية بين الطرفين استمرت لشهور وحتى اللحظات الأخيرة وكانت هى الأهم على مائدة التفاوض بين الرئيسين.


 تجربة حرب الرسوم الجمركية التى بدأها ترامب لم تكن حلًا يمكن الاعتماد عليه (وقد ألغاها القضاء الأمريكى) لكنها بينت للطرفين أنه حتى مع الخلافات السياسية والصراعات المذهبية فإن الشراكة الاقتصادية والتعاون التجارى ينبغى أن يبقى هو الأساس فى علاقات الدولتين الكبيرتين.
الرئيس ترامب كان يهمه الحصول على صفقة سريعة يحتاجها قبل الانتخابات، وتتمثل فى المزيد من الاستثمارات الصينية بأمريكا والمزيد من شراء الصين للمحاصيل الزراعية والمصنوعات الأمريكية كطائرات الركاب التى تتفاوض الصين عليها منذ سنوات..

والصين تريد سوقًا أمريكية مفتوحة لصادراتها وتهدئة لمحاولات أمريكا للسيطرة على مصادر البترول والثروات المعدنية، وتعاونًا فى المجال الأهم والأخطر الخاص بالتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعى.


فى الجانب السياسى كان واضحًا أن الخطاب الصينى كان صارمًا فى قضية «تايوان» التى اعتبرها الرئيس الصينى «المحدد الرئيسى للعلاقات مع أمريكا» بينما كانت مطالبة وزير الخارجية الأمريكى للصين بالضغط على إيران مرتبطة بالكشف «من جانب أمريكا» عن إمدادات عسكرية لإيران تتضمن أنظمة دفاع جوى ومستلزمات صناعة صواريخ، مع التأكيد على موقف صينى يرفض التصعيد العسكرى ويدعم الحل السياسى ويكرر أنه لن يتخلى عن الحليف الإيرانى.. وهى رسائل لابد أن تكون واضحة لكل الأطراف فى سعيها للخروج من هذه الحرب العبثية.


تغير العالم كثيرًا.. عندما ذهب نيكسون إلى بكين فى عام ١٩٧٢ كان يتحدث باسم العالم الغربى كله، وكان ترسيخ الخلاف بين بكين وموسكو هدفًا أساسيًا لسياسة أمريكا، الآن يذهب ترامب إلى الصين والتحالف الاستراتيجى بينها وبين روسيا يتدعم يومًا بعد يوم، بينما «على الجانب الآخر» يجد ترامب أن قادة بريطانيا وألمانيا وكندا قد سبقوه إلى بكين لتدعيم علاقاتهم التجارية وتعاونهم الاقتصادى، فى وقت تتزايد فيه مشاكلهم مع واشنطن التى كانت تعتبرهم أقرب وأصدق الحلفاء.


هل ستنجح صيغة «تعاون تجارى وصراع سياسى» فى ضبط العلاقات بين القطبين الرئيسين فى عالم اليوم؟.. الإجابة تعتمد على القبول بأن عصر الهيمنة وعالم القطب الواحد قد انتهى، وأن نظامًا دوليًا جديدًا تتعدد فيه الأقطاب لابد أن يأتى، وبأن هذا النظام لابد أن يكون أكثر عدلًا وأشد التزامًا بالقانون.


تغير العالم كثيرًا، لكنه لم يتغير بما يكفى لمواجهة تحديات الحاضر أو استحقاقات المستقبل، تغير العالم بما يسمح لوزير الخارجية الأمريكى «روبيو» بدخول الصين بعد أن كان ممنوعًا من دخولها، اللقطة تبدو ظريفة، لكن الطريق طويل.