«الحشاشون» الأب الروحى لجماعات الدم

تنظيم الفداوية للقتل بالسكين  -- التنظيم الخاص لجماعة الإخوان
تنظيم الفداوية للقتل بالسكين -- التنظيم الخاص لجماعة الإخوان


«بالرجوع إلى بدايات الصراع حول السلطة فى العالم الإسلامى.. نفهم شخصية الحسن بن الصباح»

الصراع السياسى بين على بن أبى طالب ومعاوية بن أبى سفيان.. خرجت من رحمه فرق «الشيعة» و«الخوارج» و«المرجئة» و«المعتزلة»«الحشاشون» و«الإخوان» يتشاركون فى جعل «الوصول للسلطة» هدفاً دينياً أسمى.. حيث يُصبح العنف وسيلة شرعية

مات «الحسن» ولم يستطع فى النهاية تحقيق حلمه بالقضاء على النظام السلجوقى وإقامة حكومة إسماعيلية على كامل الأراضى الإيرانية

 

يقدم الزميل الصحفى الباحث المدقق حسن حافظ فى كتابه «الحشاشون: صفحات من تاريخ وأساطير النزارية» قراءة تاريخية معمقة لإحدى أكثر الجماعات إثارة للجدل فى التاريخ الإسلامى.

حيث يفكك الكتاب الأساطير المحيطة بها ليعيد بناء الواقع التاريخى لهذه الجماعة الدينية التى اعتمدت «الاغتيال السياسي» كأداة رئيسية، وتبرز العبقرية الإجرامية لـ«حسن الصباح» فى تأسيس «دولة قلاع» تعتمد الدم للوصول إلى سدة الحكم.

ويربط التحليل بين استراتيجية الحشاشين القائمة على «النظام الخاص» والسمع المطلق، الكتاب لا يروى قصصًا من الماضى فقط، بل يحلل سيكولوجية الجماعات المتطرفة.

ونجح «حافظ» فى تقديم «النموذج الأول» للتنظيمات الإرهابية وجعل القارئ يربط -بشكل غير مباشر- بين أساليب الحشاشين فى التجنيد والتأثير النفسى وبين حركات العنف السياسى المعاصرة، «كالإخوان المسلمين» وما تمخض عنها مثل القاعدة وداعش وبوكرام والعديد من الجماعات القائمة على العنف تحت ستار عقائدى للوصول لسدة الحكم، مما جعل الكتاب آنيًا ومطلوبًا.

 

الكتاب لا يدخر جهدا فى توثيق وتنقية تاريخ الحشاشين من الخيال الشعبى والمؤرخين المعادين، موضحًا أن تسمية «الحشاشين» قد تكون أسطورة غربية أو ناتجة عن تشويه الخصوم، فيذكر عن عنوان الكتاب أنه «يخضع لثقل الأسطورة، فهو يستخدم عنوان «الحشاشين» على الرغم من إدراك أن «النزارية» لم يطلقوا على أنفسهم هذا اللقب، وهو فى الحقيقة نتيجة دعاية «فاطمية» انطلقت من القاهرة لتشويه «النزارية»، لكن من المصادفات أن هذه الدعاية هى التى حملت «النزارية» إلى شهرة عالمية اخترقت جميع الثقافات، لذا لم يعد أحد يذكر اسم «النزارية» أو يثير اهتمامه هذا الاسم، فالذاكرة الجماعية احتفظت فقط باسم «الحشاشين».


وربما لعب الاسم فى تاريخ تلك الجماعة دورا جعل الأساطير تتحلق حوله، فاختلطت وقائع التاريخ بخيال الأسطورة وأحيانا الخرافة، فتولد عن كل هذا روايات عديدة من مصادر «نِزارية» و«سنية» و«عربية» و«فارسية» و«صليبية» و«أوربية» تنظر إلى هذه الجماعة الفريدة فى التاريخ من زوايا مختلفة، بعضها يطلع على المصادر «النزارية» الأصلية فيروى وقائع تاريخية مع إعادة تلوينها وفقا للميول والمواقف المذهبية، سواء مع «النزارية» الإسماعيلية الشيعية أم ضدها، والبعض الآخر يعتمد روايات قائمة على عدم فهم طبيعة هذه الحركة وأفكارها ذات البعد المخصوص فى الفكر الإسماعيلى الباطنى، ما جر إلى تأويل أسطورى يستند إلى روايات غير حقيقية ومُضللة.

ومن كل هذا تتولد صعوبة البحث وصولا إلى تاريخ أقرب إلى الواقع التاريخى، ينتصر إلى الفهم لا الحكم على تاريخ هذه الجماعة التى أثارت الكثير من ردود الفعل خصوصا فيما يتعلق بتنظيمها الأكثر شهرة، «الفداوية»، الذى يضم مجموعة من الشباب الذين نفذوا عمليات اغتيال باستخدام السكين على رؤوس الأشهاد، فولدوا حالة من الرعب بين صفوف المسلمين والصليبين فى العصور ما قبل الحديثة، ومن ثم تولدت العديد من الأساطير بنفس استشراقى حولهم.


التأثير النفسى والعقلى


ينطلق الكتاب من تتبع جذور الدعوة الإسماعيلية، خاصة ما عُرف بـ«الدعوة الهادية»، التى اعتمدت على التدرج فى نشر الأفكار وكسب الأنصار، مستندة إلى التأويل الباطنى للنصوص، واستهداف فئات معينة يسهل التأثير عليها نفسيا وعقليا، وهو ما منحها قدرة على جذب فئات مختلفة من المجتمع. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الدعوة من خطاب فكرى إلى تنظيم شديد الانضباط، له أهدافه ووسائله الخاصة فى فرض النفوذ وتحقيق الغايات.


ولا يقف العمل عند حدود السرد التاريخى، بل يتجاوز ذلك إلى تحليل البعد النفسى والفكرى، موضحًا كيف يمكن لجماعة مغلقة أن تُعيد تشكيل وعى الفرد، وتدفعه إلى تبنى أفكار وسلوكيات قد تصل إلى التضحية المطلقة. وهنا تتقاطع الحقيقة مع الأسطورة، حيث اختلطت الوقائع التاريخية بروايات مبالغ فيها، مما جعل الحشاشين مادة خصبة للخيال الشعبى والكتابات الغربية.


ومن هذا المنطلق، ظاهرة الحشاشين، ليست مجرد فصل من الماضى، بل نموذج يمكن فهمه فى سياق أوسع يتعلق بطبيعة الجماعات المغلقة، وآليات التأثير الفكرى، وحدود العلاقة بين الإيمان والسلطة.


الصراع على السلطة

وحتى نفهم الجماعة النزارية «الحشاشون» التى اشتبكت مع مجرى تاريخ المجتمعات الإسلامية -ولاتزال- بصور مختلفة، وتسربت إلى مختلف أقاليم العالم الإسلامى، ونتعرف على شخصية زعيمها الحسن بن الصباح، لابد من الرجوع إلى بدايات الصراع حول السلطة فى العالم الإسلامى فيذكر الكتاب« ظهرت المذاهب والفرق الإسلامية نتيجة اشتباك الجانب السياسى بالدينى على خلفية أوضاع اقتصادية واجتماعية معينة، وفى إطار من الحراك السياسى-الاجتماعى بين القوى المؤثرة فى التاريخ الإسلامى، فلا يمكن قراءة نشأة مذاهب المسلمين إلا على خلفية الصراع السياسى الذى جرى بين على بن أبى طالب «توفى 40 هـ661م» ومعاوية بن أبى سفيان«توفى 60هـ679»، وهو الصراع الذى خرجت من رحمه فرق «الشيعة» و«الخوارج» و«المرجئة» و«المعتزلة».


لكن البداية جاءت مع نشوء أزمة بعد وفاة رسول الله ﷺ عام «11هـ 632» حول هوية من يتولى قيادة المسلمين، خصوصا أن الرسول ﷺ لم يضع أى شكل سياسى للدولة حال رحيله»...

وشكلت فترة خلافة على بن أبى طالب التى شغلتها الحروب ضد الجماعات المناوئة له والتى انتهت بمقتله، حدثا مهما فى تاريخ المسلمين، ففى تلك الأثناء تبلورت البدايات الأولى للخوارج والشيعة وأهل السنة، التى تحولت إلى فرق أدت دورا كبيرا وبارزا فى الدولة الإسلامية وفضلا عن أنصاره الذين عرفوا بالشيعة، خرجت عليه جماعة ورفضت التحكيم بينه وبين معاوية، فعرفوا من أجل ذلك بالخوارج، فظهرت فرقة سياسية دينية جديدة، وعقب مقتل الإمام على بن أبى طالب أنقسم أنصاره بين مؤيد للهدنة مع معاوية بن أبى سفيان ومعارض متمسك بخيار حمل السلاح.»


شخصية مربكة


وعن سيرة الحسن بن الصباح يشير المؤلف إلى أن «الكتاب الذى تضمن سيرة الحسن يعرف باسم «سر كدشت سيدنا» أى سيرة سيدنا، وهو المصدر الأساسى لكل المعلومات التى وصلت إلينا عن هذه الشخصية المثيرة للجدل، وقد فعل خيرا المؤرخ عطا ملك الجوينى «توفى 683هـ -1282م» عندما دخل قلاع «ألموت» بعد سقوطها استنقذ هذا الكتاب، واحتفظ بنقولات مهمة عنه فى كتابه تاريخ «جيهان كشاى» (تاريخ فاتح العالم) الذى نلتقى من خلاله بالحسن بن الصباح وجها لوجه، نعرف تفاصيل تكون هذه الشخصية المثيرة، ومن خلاله نتعرف إلى تفاصيل عصره المضطرب، والصراعات التى ميزت القرن الخامس الهجرى الحادى عشر الميلادى، وهو قرن الصراعات والتحولات والمسارات المتعرجة، العصر الذى شهد انتصار التشيع وانتشاره فى معظم عالم المسلمين.


ولد الحسن بن الصباح فى مدينة «قم» الإيرانية فى حدود سنة 444هـ-1052م، وعرف عنه من طفولته النهم المعرفى الذى لا يحد، فتعرف إلى علوم الهندسة والحساب والنجوم، فضلا عن تربيته الدينية التقليدية، وكانت «الري» واحدة من مراكز نشاط الدعوة الإسماعيلية فبدأ الاحتكاك بينهم وبين الحسن الصباح وهو فى سن مبكرة، والتقى بأحد دعاة الإسماعيلية وكان لقاء غير مسار حياته، ويروى الحسن بن الصباح تفاصيل اللقاء قائلا: «كنت أتبع مذهب آبائى وهو مذهب الشيعة الإثنى عشرية، وكان فى «الرى» رجل يسمى «أمير ضراب» على مذهب باطنية مصر، وكنا نتناظر معا بصفة دائمة فيكسر مذهبنا، ولكنى لم أسلم له، بينما استقرت آراؤه فى قلبى» وهنا يقدم لنا الحسن لمحة عن كيفية تجنيد الأعضاء الجدد فى الدعوة الإسماعيلية فما أمير ضراب هذا إلا الداعى المكاسر الذى هو أحد مراتب الدعوة الإسماعيلية، الذى يتولى مهمة زرع الشك فى الشخص المراد تجنيده فى الدعوة عبر «تكسير» أى تحطيم، الأسس المنطقية لعقائد هذا الشخص ونقضها وهدمها، ثم يتركه يقع فى بحر الشكوك..

وانضم الحسن بن الصباح إلى مجتمع الدعاة فى مدينة الرى، وأصبح أحد أكثر شباب الدعاة نشاطا.. وتم إرسال الحسن بن الصباح إلى مصر ليتلقى برنامجا تعليميا فى مقر الدعوة الإسماعيلية بالقاهرة، بعدما اكتسب شعبية فى الأوساط الإسماعيلية بفضل تحركاته واستيعابه السريع للأفكار الإسماعيلية وتحمسه الشديد لها.

وكان القاعدة الأساسية التى بنى عليها التعليم الإسماعيلى تبدأ بعلوم الظاهر، أى ظاهر الشريعة من حفظ للقرآن والأحاديث النبوية والفقه بمدارسه، ثم تتعمق شيئا فشيئا فى علوم الباطن التى تعتمد على التأويل والأفكار الفلسفية المعقدة، هذه العملية التدرجية كانت متبعة بشكل عملى داخل مؤسسة الدعوة الإسماعيلية، وفقا لشهادات كبار الدعاة الذين نجد فى كتبهم نصائح مباشرة لمجتمع الدعاة بضرورة التدرج المعرفى قبل التعمق فى دراسة المذهب. وقد عضدت تلك المعارف البناء المعرفى عند الحسن والذى امتزج بذكاء نادر وكاريزما طاغية وطموح لا يحد وهى مواهب امتزجت كلها لتخلق لنا شخصية بأحلام عريضة تسعى لتنفيذها.


لكن عندما توجه الحسن بن الصباح إلى القاهرة كان يرى أنه فى مهمة مقدسة، وأنه سيلتقى أخيرا بداعى الدعاة المؤيد فى الدين، وسيحظى بوقت طويل فى دراسة كتب الدعوة الإسماعيلية فى مركزها بالقاهرة، وفى النهاية سيحظى بشرف لقاء الإمام الإسماعيلى حجة الله وظله فى الأرض، لكن ما غاب عن بال الحسن وهو غارق فى أحلامه الدعوية أن تحولات عميقة قد جرت فى العاصمة الفاطمية، فالقاهرة مرت بتحولات كبيرة فى عصر الإمام - الخليفة المستنصر بالله «حكم 427-487هـ1036-1094م» وأن داعى الدعاة المؤيد فى الدين قد مات قبل وصوله بعدة أشهر، وأن المدينة لم تعد ترحب بالدعاة، بعدما ظهر نجم بدر الجمالى فى الأفق وسيطر على مقاليد الحكم.

مشاعر محبطة


«على كل حال غادر الحسن الصباح مصر بعدما أمضى فيها نحو 18 شهرا وهو يحمل مشاعر إحباط عظيمة مما رآه فى القاهرة من ضياع هيبة أئمة الإسماعيلية وانهيار أحوال الدعوة الهادية، ورأى كيف أن الدعوة لم تعد تُقام على الرسوم القديمة، بل لم تَعُد مهتمة بالدفاع عن القضية الإسماعيلية بعدما سطا عليها بدر الجمالى، الذى سطع نجمه السياسى فى سماء وادى النيل، وأصبح سيد مصر الأوحد، الذى سطع نجمه السياسى فى سماء وادى النيل، وأصبح سيد مصر الأوحد، لذا اختمرت فى ذهن الحسن ضرورة إعادة الدعوة الإسماعيلية على أسس جديدة فى أماكن بعيدة عن نفوذ الجمالى، وهى الأحلام الجديدة التى سيطرت على الداعى النشط وهيمنت على تفكيره، وهو يشاهد موج البحر المتوسط المتلاحق، تاركا خلفه العدو الذى عكر صفو الحضرة الإسماعيلية، وفى نفسه غُصة وألم على أحوال مصر الفاطمية التى لم يعد لها بعد أن غادرها قط.


وبينما بدأ الحسن نشر الدعوة الإسماعيلية فى المنطقة الشمالية من بلاد فارس جرت أمور فى مصر استدعت أن يوجه أنظاره صوب ما يجرى فى القاهرة، حيث توقع أن يتولى الخلافة الأبن الأكبر للمستنصر وهو نزار، لكن بدر الجمالى أمير الجيوش قرر تعيين الابن الأصغر للمستنصر «المستعلى»، ووسط الأحداث تم قتل نزار، مما جعل الحسن يرفض الاعتراف بإمامة المستعلى، واعترف بإمامة نزار الابن الأكبر للمستنصر، فأعلن انشقاقه عن الدعوة الإسماعيلية ومركزها الرئيسى القاهرة الفاطمية، وأسس دعوة جديدة عُرفت باسم الدعوة «النزارية» أو الدعوة الجديدة، وبسبب مقتل «نزار» وغياب الإمام أعطى الحسن صلاحيات مطلقة بصفته الداعى المطلق والحجة وهى رتبة عالية فى سلم الدعوة الإسماعيلية، وأن الإمام الموجود بالقاهرة لم يعد يملك الصلاحيات الكافية لتحقيق أحلام الإسماعيليين فى إقامة دولة تبتلع العالم الإسلامى كله، ورأى أن يشق طريقة بصورة منفردة لتأسيس الدعوة الجديدة التى تتوافق مع طموحات الإسماعيلية بحسب ما يتصور هو.

لكن جابه الحسن المشكلة الرئيسية التى كان عليه أن يواجهها ظهرت جلية فى صورة شخص واحد يحمل الاسم نفسه، الحسن بن على الذى عرفته كتب التاريخ بلقبه الوزارى كأعظم وزراء السلاجقة وأكثرهم نفوذا «نظام الملك»، والصراع بين الرجلين سيشكل عصرهما ، ونظام الملك كان مهيمنا على جهاز الدولة السلجوقية، واستقبله الخليفة العباسى المقتدى بالله، وقد ساعدت سياساته السنية الموجه ضد الشيعة الفاطمية فى تقوية الخلافة العباسية.

 تنازع الاختصاصات


وقد تقاطعت جهوده لتحقيق هذا الهدف مع جهود الحسن الصباح الساعية لإعادة بعث الحركة الإسماعيلية من جديد فى بلاد فارس، وبدأ الحسن جهوده منذ عام 480هـ1087م لمد نفوذه إلى قلعة «ألموت» الحصينة فى إقليم ديلمان لبث الدعوة فى المنطقة المحيطة بألموت، وأحكم الحسن الصباح قبضته بعد بث أفكاره، وبدأت فعليا دولة «سادة ألموت» وتبنى الحسن استراتيجية جديدة تعمل على الثورة المعلنة التى تستهدف قلب النظام السلجوقى، وسريعا شكل ظهور الدعوة الصباحية وانتشارها السريع صفعة للسلطة السلجوقية ولخطط نظام الملك، وخطرا على مشروعه السياسى، لكن فجأة أمام محاولات القضاء على الصباح ودعوته وهدم قلعته نشب صراع بين السلطان السجلوقى والوزير نظام الملك بسبب تنازع الاختصاصات، وفى ظل هذه الأجواء الملتهبة وقعت حادثة اغتيال نظام الملك، وتشير مصادر إلى أنها من أفعال فداوية الإسماعيلية النزارية، ورأى الحسن الصباح فى إلصاق السلطة السلجوقية تهمة اغتيال نظام الملك به وبتنظيمه الوليد فرصة دعائية، وبعد أسابيع قليلة من اغتيال الوزير نظام الملك توفى السلطان السلجوقى ملكشاه 485هـ 1092م، وجاءت الفرصة سانحة للحسن حتى يثبت أركان دولته الوليدة الواقعة فى إقليم «رودبار» وفى القلب قلعة ألموت، ودخلت إمبراطورية السلاجقة الضخمة فى فوضى استغلها الحسن بن الصباح بشكل نموذجى فى نشر دعوته، وفى زخم انشغال الحسن بتوسيع دعوته فى المنطقة الشمالية من بلاد فارس، جرت أمور فى مصر استدعت أن يوجه أنظاره صوت ما يجرى فى القاهرة الفاطمية حيث توفى الإمام المستنصر بالله فى ذى الحجة 487هـ1096 وتم تولية الابن المستعلى الأصغر الإمامة والخلافة، لكن ابنه الأكبر «نزار» رفض تجاوزه، وبذات خلافات قتل على أثرها نزار، وهذا القتل ترك أثره الحاسم فى تاريخ الحركة الإسماعيلية، تلقى ذلك الحسن فى وجوم ورفض الاعتراف بإمامة المستعلى، واعترف بإمامة نزار الابن الأكبر للمستنصر، واعلن انشقاقه عن الدعوة الإسماعيلية ومركزها الرئيسى بالقاهرة ، وأسس دعوة جديدة عرفت باسم الدعوة النزارية أو الدعوة الجديدة، وبذلك انقسمت الحركة الإسماعيلية الفاطمية فى العالم الإسلامى إلى فرقتين متخاصمتين الإسماعيلية النزارية التى تعتقد بإمامة نزار بن المستنصر ومركزها شمال بلاد فارس، وإسماعيلية مستعلية مركزها القاهرة، بدأ الصباح من معقله فى ألموت وضع أسس الدعوة النزارية، وتنظيم آليات العمل فى ظل أجواء غير مواتية، ولكن سمحت الظروف للدعوة النزارية اكتساب مرونة فى مواجهة التحديات، وخلق حالة من الترابط بين القلاع النزارية رغم ما بينها من مسافات، وسمح هذا التفكير بتوليد استراتيجية تناسب أوضاع الدولة السلجوقية التى كانت مقسمة بين العديد من القادة العسكريين بصفتهم سادة إقطاعيين لذا سعى النزارية للاستيلاء على الحصون خطوة خطوة، وصولا إلى حلم تحقيق انتفاضة شاملة من مختلف الحصون والمعاقل تؤدى إلى سقوط النظام السلجوقى ككل، ومن أجل ذلك استعار النزارية أحد أشهر الأساليب التى عرفوا بها، وهو سلاح الاغتيال فى مواجهة العدو الذى يفوقهم حجما وقدرة ممثلا فى السلطة السلجوقية، وكانت أول جريمة اغتيال للنزارية ذات طابع عفوى بلا تدبير مسبق إذ إن بعض الإسماعيلية فى مدينة أصفهان دعوا مؤذنا يقيم فى المدينة للدخول فى دعوتهم، فلم يوافقهم «فخافوا أن ينم عليهم، فقتلوه». 

استغلال الجريمة

ورغم ما فى هذه الجريمة من عفوية وشكل اغتيال يختلف عما عرف من طريقة اغتيال الفداوية لخصومهم، فإن هذه الواقعة عدت أول واقعة اغتيال ينفذها النزارية، وقد ارتبط الاغتيال السياسى بهذه الحركة بشكل شبه حصرى، يعود ذلك فى الأساس إلى أن النزارية هم من اعتمدوا على الاغتيال بشكل أساسى فى صراعهم مع السلاجقة.

وقد تطلب الأمر تكوين جهاز للاغتيالات «الفداوية» يخضع لسيد ألموت له تنظيم من نوع خاص، ولم يكن اختيار الشباب عادة للقيام بهذه المهمة الانتحارية تحت إغراء مخدر الحشيش كما حاولت الأسطورة الصليبية المبنية على عدم الفهم العميق إذاعته، بل عبر عملية شحن عقائدى خلقت عناصر انتحارية فى سبيل ما تؤمن به، فى تنفيذ مهمة الاغتيال التى أدوها على أحسن وجه.

وقد تعمد النزارية استخدام السكين فى كل عمليات الاغتيال التى نفذوها ولم يحاولوا الهرب فى العديد من الحالات، بل إن الإشارات النزارية توحى بأن البقاء على قيد الحياة والهرب بعد تنفيذ مهمة الاغتيال يجلب العار على الفدائى وعائلته، وكانت فلسفة الاغتيال قائمة فى رأس الحسن الصباح على أن اغتيال رأس الدولة أو النظام المعارض لنفوذ النزارية سينزل ضربة قاصمة فى بنية هذا النظام لأنه نظام فردى سلطوى قائم على حكم الفرد.

وكان استخدام السكين فى عمليات الاغتيال يضمن للنزارية أقل قدر من الدموية، إذ إن العملية تستهدف الشخص المراد اغتياله بشكل حصرى، ولا تستهدف من حوله.

وتمكن الحسن فى صنع سمعة جهاز الاغتيالات كأداة ضغط ومساومة سياسية، ولكى يمارس نفوذا على أتباعه بلا أى تحديات عرف عنه الصرامة فى تنفيذ الأوامر الدينية، فقدم صورة المتدين الصارم فى تفاصيل حياته، ولم يخرج من «ألموت» منذ أن دخلها حتى وفاته لمدة 35سنة ولم يصعد أعلى بيته داخل القلعة إلا مرتين.

وطالت صرامته ولديه، فابنه الأكبر حسين اتهم بقتل الداعى حسين قائينى أحد أبرز مساعدى الحسن فقرر الأخير قتل ابنه حسين، وقتل الابن الثانى حين اتهم بشرب الخمر، واستغل الحسن واقعة قتل لابنيه للتأكيد أمام أتباعه على أنه لا يتقلد الدعوة النزارية من أجل ملك دنيوى لشخصه أو أن يورث الملك لأولاده.

رحيل الصباح


لم يرحل الحسن بن الصباح 518هـ1124م عن الدنيا إلا بعدما حقق انتقامه الأكبر من الرجل الذى قتل «الإمام نزار»، خصمه القديم أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالى، الرجل الذى أبعد الإمامة عن نزار بن المستنصر ثم قتله، وكان قد بعث الحسن ثلاثة من الفداوية للتخلص من الأفضل فى القاهرة لقتله، وعندما وصل نبأ الاغتيال إلى ألموت أمر الحسن أتباعه بالاحتفال بهذه المناسبة لمدة سبعة أيام بلياليها.

ومضى الحسن أيامه الأخيرة -مع المرض الذى لازمه- فى ترتيب محكم لتأمين مستقبل جماعته النزارية، وأعلن خليفة له وثلاث شخصيات نزارية رفيعة ليتكون منهم مجلس رباعى يدير الدولة النزارية. ومات الحسن ولم يستطع فى النهاية تحقيق حلمه بالقضاء على النظام السلجوقى وإقامة حكومة إسماعيلية على كامل الأراضى الإيرانية..

وبمضى الزمن والمعارك تحول قادة دولة ألموت إلى محض حكام محليين فى العقود الأخيرة من حياة دولتهم كان هذا فى المحصلة تراجعا كبيرا فى الأحلام الثورية التى أطلقها الحسن بن الصباح فى نهاية القرن الخامس الهجرى الحادى عشر الميلادى، لكن رغم ذلك ظلت هذه الدولة قائمة رغم الهزات العقائدية التى مرت بها على يد خلفاء الصباح، لكن هذا كله تبدد مع الهجوم المغولى الكاسح على مجتمعات المسلمين والصين على حد سواء، والذى أدى خلال هجوم جنكيزخان 624هـ1227م إلى خلخلة مجتمعات المسلمين فى منطقة آسيا والعالم الإيرانيين، وتعددت الهجمات بعد ذلك حتى تم تدمير القلاع النزارية فى رسالة تثبت قوة المغول وحكمها لبلاد فارس كلها. وسقطت قلاع ألموت وغيرها من القلاع الحصينة.

الحشاشون وجماعة الإخوان

غالباً ما يتم الربط فى التحليلات السياسية والفكرية (والتى يتقاطع معها الكتاب ضمنياً فى سياق دراسة جماعات العنف الديني) بين نموذج «الحشاشين» ونموذج «جماعة الإخوان المسلمين»

من خلال النقاط التالية:

1. الهيكل التنظيمى السري: كلا الجماعتين اعتمدتا على نظام «البيعة» والطاعة المطلقة للقيادة، ونظام «الأسر» أو الخلايا العنقودية التى تضمن استمرار التنظيم حتى فى حالات الملاحقة.

2. استخدام الاغتيال السياسي: يُشبَّه «النظام الخاص» لجماعة الإخوان بجناح «الفدائيين» عند الحشاشين؛ حيث استُخدم كلاهما لتصفية الخصوم السياسيين (مثل اغتيال نظام الملك تاريخياً، واغتيال النقراشى والخازندار فى تاريخ الإخوان الحديث).

3. تسييس الدين: الحشاشون والإخوان يتشاركون فى جعل «الوصول للسلطة» هدفاً دينياً أسمى، حيث يُصبح العنف وسيلة شرعية لتحقيق «الدولة الإسلامية» أو «الخلافة» المنشودة وفق رؤيتهم.

4. صناعة «الفدائي»: يرتكز العنف فى كلتا الجماعتين على فكرة «السمع والطاعة» وتحويل الفرد إلى أداة تنفيذية لا تناقش، مع إضفاء صبغة «الشهادة» أو «الفداء» على العمليات القتالية أو الاغتيالات.

5. المظلومية والتقية: تشترك الجماعتان فى استخدام مبدأ «المظلومية» لاستقطاب الأتباع، و«التقية» أو الخداع الاستراتيجى للاندماج فى المجتمع بانتظار لحظة التمكين أو الهجوم.


يخلص الكتاب ومن يدعمون وجهة نظر الربط هذه إلى أن الحشاشين قدموا «النموذج الأول» للتنظيمات الإرهابية العابرة للحدود التى تستخدم الأيديولوجيا الدينية لتبرير العنف السياسى، وهو ما استنسخته الجماعات الإسلاموية الحديثة بأساليب مطورة.