■ بقلم: دينا الأدغم
ليست كل الزيارات الرسمية مجرد انتقال بين عاصمتين، ولا كل اللقاءات بين الرؤساء تُختزل في صور المصافحة وبيانات البروتوكول، فهناك لقاءات تتجاوز الشكل إلى الجوهر، وتكشف أن العلاقات بين الدول تُبنى أحيانًا على لغة الثقة الشخصية بقدر ما تُبنى على حسابات السياسة والمصالح المشتركة.
حين رحّب الرئيس عبد الفتاح السيسي بنظيره الفرنسي Emmanuel Macron عبر رسالة نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، قائلًا: «أهلاً بك ضيفًا عزيزًا في Alexandria، عروس البحر المتوسط»، لم تكن الكلمات مجرد مجاملة دبلوماسية عابرة، بل كانت صياغة رمزية لعلاقة نضجت عبر السنوات، ورسالة تحمل من دفء الصداقة بقدر ما تحمل من عمق الشراكة الاستراتيجية.
وفي الإسكندرية، المدينة التي عاشت قرونًا بوابةً بين الشرق والغرب، بدا الاستقبال أكثر من مجرد محطة رسمية. فهذه المدينة، بتاريخها الكوزموبوليتاني وذاكرتها المتوسطية، بدت المكان الأنسب لاستقبال رئيس دولة أوروبية كبرى تربطها بمصر علاقات متينة ومتعددة الأبعاد. وهي مدينة تعرف جيدًا كيف يتحول البحر من حدٍّ جغرافي إلى جسر حضاري وسياسي وثقافي.
ويستدعي هذا المشهد إلى الذاكرة زيارة الرئيس السيسي إلى Paris العام الماضي، حين استقبله ماكرون في Élysée Palace، في لقاء أكد أن العلاقات المصرية الفرنسية تجاوزت إطار التعاون التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة. ومنذ ذلك الحين، أخذ التنسيق بين البلدين يتسع ليشمل ملفات الأمن الإقليمي والطاقة والاستثمار والتعليم والدفاع.
واليوم، لم تتوقف الزيارة عند شاطئ المتوسط، بل امتدت إلى El Arish، حيث تحولت السياسة إلى مشهد إنساني مفتوح على العالم. هناك، وقف الرئيس الفرنسي شاهدًا على الجهد المصري في استقبال المساعدات الإنسانية وتجهيزها لإدخالها إلى قطاع غزة، لتصبح العريش عنوانًا لدبلوماسية تتحدث بالفعل لا بالتصريحات.
وفي هذه المحطة، بدت القمة الثلاثية التي جمعت الرئيس السيسي، والرئيس الفرنسي، والعاهل الأردني Abdullah II of Jordan وكأنها رسالة هادئة ولكن واضحة: أن إعادة إعمار غزة يجب أن تتم دون تهجير أهلها، وأن الاستقرار الحقيقي يبدأ من احترام حق الشعوب في البقاء على أرضها.
وتأتي الزيارة كذلك بالتزامن مع افتتاح المقر الجديد لـ Agence Française de Développement، في إشارة إلى أن الشراكة بين القاهرة وباريس لم تعد مقتصرة على السياسة وحدها، بل أصبحت مشروعًا تنمويًا ممتدًا نحو أفريقيا وشرق المتوسط.
هكذا تبدو العلاقة بين السيسي وماكرون أشبه بحوار طويل بين مدنٍ تحمل ذاكرة البحر، من باريس إلى الإسكندرية، ومن الإسكندرية إلى العريش. وبين هذه المحطات تتشكل قصة سياسية تتداخل فيها المصالح مع الثقة، والدبلوماسية مع المسؤولية الإنسانية.
وفي زمن يموج بالتحولات، يبقى البحر شاهدًا على أن بعض العلاقات لا تحتاج إلى كثير من الكلمات؛ يكفي أن تتلاقى الإرادة والرؤية حتى يتحول المتوسط من مساحة فاصلة إلى لغة مشتركة، تكتب بها الدول فصولًا جديدة من التفاهم والسلام.

دينا الأدغم تكتب: كيف تعيد السوشيال ميديا طرح دور الأب في تشكيل وعي الفتاة؟
استغاثة أهالي حوض نجيح للحكومة لإنهاء أزمة فصل التيار الكهربائي عن منازلهم
دينا الأدغم تكتب: مطار القاهرة الدولي في موسم الحج.. عندما تصبح الكفاءة التنظيمية رسالة طمأنينة وسط تحديات المنطقة







