لم يكن القرار السعودى برفض استخدام أراضيها، أو أجوائها أو تقديم أى تسهيلات للجانب الأمريكي، فى مشروع ترامب للحرية، مفاجئاً للمتابعين للرؤى والمواقف السياسية للرياض تاريخياً، أو موقفها الحالى من المواجهات العسكرية التى بدأت منذ ٢٨ فبراير الماضي، بعد الهجوم الأمريكى الإسرائيلى على إيران، ومازال على حاله، فى ظل غياب أى سيناريوهات لإنهاء الأزمة، من الجانب الأمريكي، صاحب الكلمة العليا فيه، فالرياض - وقبل ذلك - أكدت فى اتصال بين ولى العهد محمد بن سلمان ورئيس الجمهورية الإيرانى مسعود بزشكيان، نهاية يناير الماضي، أنها (لن تكون منصة لضرب إيران أو المشاركة فيه)، ولم تهتم بالرد على حملات مخطط لها، وتسريبات إعلامية على لسان مصادر مجهولة، تحدثت عن أن المملكة جزء من الضغوط على إدارة ترامب للهجوم على طهران، وإسقاط النظام هناك، ووجدت أنه لا يستحق مجرد الرد، فالرياض تدرك - ومنذ البداية - تداعيات هذا الصراع على كافة الأصعدة، والتزمت بسياسة التهدئة وعدم التصعيد، وحماية المصالح الوطنية، وتجنب الدخول فى صراعات، وحافظت على سياسة (الصبر الاستراتيجي)، حتى إنها لم ترد على هجمات إيران، وكانت تستطيع إيلام طهران وإلحاق الأذى بها.
أهمية القرار السعودي، أنه دفع إدارة ترامب على غير إرادة منها أو رغبة، إلى وقف العمليات، بعد يومين فقط من بدايتها، التى استهدفت - كما أعلنت - إنقاذ ١٥٠٠ سفينة، على متنها حوالى ٢٣ ألف بحار، من ٧٨ دولة، عن طريق مرافقة السفن وتأمين ممراتها، فى محاولة من الرئيس الأمريكى للترويج لها على أن أهدافها إنسانية، ولكنه عاد بعد ساعات، ليتحدث عن أنه سيزيل إيران من على وجه الأرض، إذا هاجمت السفن الأمريكية، وبعدها أبلغ السعوديين نظراءهم الأمريكيين، بأنها لن تسمح باستخدامهم أرضها أو مجالها الجوي، مما جعل الخطة غير قابلة للتنفيذ، خاصة وأن المرافقة البحرية، تحتاج إلى دعم جوى كبير للحماية، بما فى ذلك طائرات مقاتلة ومروحيات هجومية، وقد جرت اتصالات بين الطرفين على أعلى مستوى بين ترامب وولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان مرتين، ووزيرى الخارجية ومستشار الأمن القومى ماركو روبيو، وستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، مع نظرائهم السعوديين، دون جدوي، وأصرت على مواقفها، من عدم المشاركة، أو منح التسهيلات.
وتتعدد الأسباب وراء القرار السعودي، فى مقدمتها أن عملية بمثل هذه الخطورة، تم الإعلان عنها بشكلٍ مفاجئ، دون تنسيق مسبق أو إبلاغ للرياض، وعواصم خليجية أخري، ومنها سلطنة عمان الشريك الجغرافى فى المضيق، وتعاملت واشنطن وكأنه أمر واقع على دول الخليج التعاطى معه، وهو تكريس لنفس المسار منذ بداية العمليات فى الثامن والعشرين من شهر فبراير الماضي، فى عدم التشاور مع الدول المعنية فى الخليج، أو الاستجابة لتحذيراتها من مخاطر مثل هذا الإجراء، وهو نفس موقفها مع حلفائه الأوربيين، كما صرح بذلك المستشار الألمانى فريدريش ميرتس منذ أسبوعين.كما زادت القناعات لدى القادة فى المملكة، وفى مقدمتهم ولى العهد الأمير محمد بن سلمان، بصحة رؤيتهم منذ البداية، بأنها حرب إسرائيل، وتجرى بناء على طلب وإلحاح من نتنياهو، الذى نجح فى إقناع ترامب بها، فالسياسات الإيرانية لا تمثل خطراً مباشراً على الأمن القومى الأمريكي، وحفلت الأيام القليلة الماضية، بتأكيد تلك الحقيقة من شخصيات عديدة، ومنهم وزير الخارجية السابق جون كيري، الذى كشف فى تصريحات أخيرة، أن رئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو، طالما حث الإدارات الأمريكية المتعاقبة بداية من بوش الابن، ثم أوباما وبايدن، على شن ضربات عسكرية لإيران، ولكنهم رفضوا باستثناء ترامب، ومنهم أيضاً الشيخ حمد بن جاسم رئيس الوزراء القطرى الأسبق، الذى كشف أن نتنياهو نجح فى إقناع أمريكا بالذهاب إلى الحرب، مضيفاً: «كان توافر موقف خليجى موحد، وذهاب قادة المنطقة إلى واشنطن، كفيلاً بالتأثير على قرار ترامب»، وآخرهم الأمير تركى الفيصل، مدير المخابرات السعودية الأسبق، الذى أشار فى مقال له أن خطة الحرب كانت تستهدف إشعال حرب بين الرياض وطهران، حتى تتمكن تل أبيب من فرض إرادتها على المنطقة، وأشاد بنجاح القيادة السعودية فى تفادى الدخول فى صدام مع إيران، بعد أن أكدت منذ البداية أنها لا تريد الحرب، ولا علاقة لها بالعملية العسكرية، وعدم السماح بتحويل المنطقة إلى ساحة للمواجهة، وتدعم الحل الدبلوماسي، رغم تعرضها لهجمات إيرانية، وأعلنت أنها تحتفظ بحق الرد ولم تمارسه، ودعمت مساعى باكستان الرامية إلى التوصل إلى اتفاق. ولعل العامل الأخير، افتقاد الرياض ومعها دول عديدة أخري، للثقة فى إدارة ترامب، وغياب استراتيجية واضحة فى تعاملها مع الأزمة، وتقلباتها بين لحظة وأخري، مما أظهرها عاجزة عن إتمام ما بدأته، وتحتاج من يساعدها فى (النزول من على الشجرة)، خاصة فى ظل تغيب المؤسسات الأمريكية المستقرة منذ عقود، والتى التزمت باستراتيجية الحصار وفرض العقوبات، بدلاً من الذهاب إلى مواجهة عسكرية غير مضمونة النتائج، ويكفى أن العالم حبس أنفاسه منذ أيام، عندما هاجمت أمريكا بعض الأهداف جنوبى إيران، والتى بدورها استهدفت ثلاث سفن حربية أمريكية، مع مخاوف استمرار المعارك ، بضرب ميناء الفجيرة الإماراتى وهو خارج المضيق، وكان الأمر كفيلاً بتفجير المنطقة.
ودعونا نتفق، أن القرار السعودى ليس استثناءً فى هذا المجال، كما لا يعنى أبداً قطيعة مع واشنطن، فقد شهد تاريخ العلاقات القريب مثل هذه الخلافات، آخرها فى مايو ٢٠٢٤ فى زمن الرئيس بايدن، عندما قاومت الرياض كل الضغوط الأمريكية، لتطبيع العلاقات مع تل أبيب، وربطت ذلك، بقيام دولة فلسطينية على حدود ١٩٦٧، وعاصمتها القدس الشريف، كما أنه يمكن اعتباره (رد سعودى خشن)، يقول بصراحة ووضوح (كفي)، الأمور لا يمكن أن تستمر على هذا المنوال، والمنطقة ليست مستعدة لدفع فاتورة حرب بلا معني، وبلا هدف، كما مثل القرار فهماً ووعيًا سعوديًا بأحكام الجغرافيا، حيث ستبقى إيران دولة من دول المنطقة، شاء من شاء وأبى من أبي، كما أن المواجهة الأخيرة، كشفت عن حقيقة أصبحت ماثلة للعيان، أن وجود واشنطن فى المنطقة، لم يكن أداة للحماية، بل عبء على دولها، والمستقبل يؤشر إلى عدم اليقين من بقاء تلك القوات، كما أن الرياض قادرة على التعاطى مع الجارة إيران ما بعد الحرب، سواء بقيت على قدراتها، أو عانت من حالة ضعف، بما يحمى أمنها القومي.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







