العفن لا يرحم، فهو لا يقتصر على الأغذية فقط، بل يمتد أحيانا إلى النفوس! وتلك حقيقة تكشفها لنا عادة صدمات الحياة، لكن الغريب أن العدوى أصابت السوشيال ميديا.
كى لا يُساء تفسير الكلمات السابقة، أؤكد أننى لا أسبّ منصات التواصل الاجتماعي، ولا قصدتُ قذْف نشطاء الفضاء الإلكترونى، حتى لو انتابهم جنون الخلاف، وانقسموا حول كل قضية، من قائمة المنقولات الخاصة بالمقبلين على الزواج، إلى تحليل تطورات الحروب الضارية على سطح الكوكب.
انتقدتُ كثيرا حالة اللا منطق التى تسود حواراتنا الإلكترونية، وازدواجية معاييرنا تجاه قضايا متشابهة حد التطابق، حسب موقعنا من كل قضية. يهاجم البعض مثلا كثرة عدد اللاجئين فى مصر، ويستنكرون أن تتحول بلادنا إلى حضن آمن للمستضعفين، ثم يبدون انزعاجهم إذا حاولت دول أخرى تقليص أعداد الأجانب.. ونحن منهم، رغم أن المُنطلق واحد فى الحالتين. عموما لا تتسع المساحة لضرب أمثلة كثيرة، لكنها بالتأكيد عديدة.
أمام المنشورات السطحية وغيرها أصبحتُ أشم روائح كريهة، لدرجة أننى اشتبهتُ فى إصابتى بمرض نفسى، إلى أن وقعت عيناى على مصطلح «العفن الرقمى» الذى استخدمته جيرمين عامر فى كتابها «مسرح الجريمة الإلكترونية»، لأكتشف أن المصطلح ورد فى دراسات غربية، ليعبر عن تشتت ذهنى يصيب الفرد نتيجة تعرضه لسيل مستمر، من مقاطع وفيديوهات مثيرة بصريا، تساعد على إفراز مادة الدوبامين، التى تمنح الإنسان سعادة زائفة، وتجعله غير قادر على الانفصال عن شاشات المحمول، كما تؤدى لخسائر اقتصادية نتيجة عدم التركيز فى العمل، لدرجة أن خسائر الاقتصاد الأمريكى من هذه الكارثة، تبلغ تريليون دولار سنويا! بخلاف تأثيراته على تراجع الابتكار، وتزايد معدلات انتشار الأمراض النفسية كالاكتئاب ومتلازمات الإرهاق الرقمي، كلها سلبيات تشبه العفن المختبئ تحت السطح، دون أن تتمكن الذائقة من اكتشافه.
لقد ارتكب البشر جناية فى حق الفضاء البديل، وللأسف صار الغالبية مدمنين له، ويكفى أن نستحضر حالتنا إذا انقطعت جرعة الإنترنت لمدة ساعة، أو أصاب «فيس بوك» وتوابعه عطل مؤقت، لنتأكد أننا تحوّلنا إلى ضحايا للخوارزميات.. وعفنها!!

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







