خلال رحلة الحياة نلتقي وجوها كثيرة قد لا نتذكرها، لكن قليلين فقط يتركون في القلب أثرًا لا تمحوه السنوات، ومن هؤلاء نموذج نادر لمعلمة لم تكن تؤدي وظيفة، بل كانت تؤدي رسالة عمر كاملة.
قبل أشهر معدودات؛ فوجئت بسيدة تسير وقد بدا جسدها نحيلًا، وعندما أقبلت عليها أحسست كأنها ليست غريبة علي، فعندما اقتربت منها أكثر ونظرت إليها أيقنت أنني أعرفها بالفعل، لكن ملامحها تغيرت، فقد احدودب ظهرها، وتثاقلت خطاها، وخارت قواها، وذبلت عيناها، وخط الزمان على وجهها حتى بدت بعض التجاعيد كأنها لوحة ثرية رسمتها السنون وكأنها شوارع عتيقة كل منها وراءه قصة وحكاية.. عندها عدت سنينًا إلى الوراء، ونشر شريط الذكريات أجنحته محلقًا سريعًا أمام عيني.
فقبل أكثر من ثلاثة وثلاثين عامًا، عرفت معلمة الأجيال الأستاذة سامية رسلان، طفلًا صغيرًا في فصل ابتدائي بسيط، تقف أمام السبورة بهدوء الأمهات وهيبة المربين، تحمل في صوتها حنانًا خالصًا، وفي قلبها إيمانًا عظيمًا بأن التعليم هو الطريق الوحيد الذي يغير مصير الإنسان، وينتشل الأسر من ضيق الحياة إلى رحابة الأمل.
لم تكن حياتها سهلة يومًا.. كانت امرأة مصرية أصيلة، أنهكتها المسؤوليات، وعاندتها الظروف، لكنها لم تنكسر، فلم تدخر شيئًا من صحتها ومالها ووقتها لنفسها، وإنما اختصت أولادها بكل ما تملك، فكان تؤثرهم على نفسها وَلَوْ كَانَ بِهِ خَصَاصَةٌ.. كافحت بصمت، وتحملت ما تنوء الجبال عن حمله، وظلت رغم التعب تزرع الطمأنينة في نفوس من حولها.
وبجوار زوجها؛ خاضت رحلة طويلة من الصبر والعمل، مؤمنة بأن النجاح لا يُمنح لأحد، بل يُنتزع بالكفاح..كانت تؤمن أن أعظم ميراث يمكن أن يتركه الإنسان لأبنائه هو العلم، لذلك لم تكتفِ بأن تكون أمًا، بل كانت مدرسة داخل بيتها أيضًا؛ تتابع أبناءها، تسهر على مذاكرتهم، وتغرس فيهم الانضباط والطموح والإيمان بالنفس.. لم تكن تملك الاستمتاع برفاهية الحياة، لكنها امتلكت إرادة تصنع المعجزات، وتسللت تلك الإرادة إلى تلاميذها حتى باتوا يوقنون أن التعليم سلاح كل الأزمنة، وأن التنافس الشريف بين الطلاب يصنع المعجزات.
منذ أيام معدودات أفقدني الموت تلك المعلمة الفاضلة، وبدى حصاد عمرها شاهدًا على رحلة كفاحها عبر أولادها ثمرة وحصاد تعبها.. لم تكن تلك النجاحات صدفة، بل كانت ثمرة أم أخلصت، وتعبت، وآمنت بأن التعب الشريف لا يضيع أبدًا.
المعلمة سامية رسلان لم تبنِ أسرة ناجحة فقط، بل صنعت أجيالًا كاملة.. تركت في قلوب تلاميذها شيئًا أكبر من الدروس؛ تركت معنى الاحترام، وقيمة الاجتهاد، ونبل الإنسان حين يعطي دون انتظار مقابل.
ومهما مرت الأعوام، سيبقى اسمها حاضرًا في الذاكرة، لا كمعلمة عابرة، بل كامرأة عظيمة انتصرت على قسوة الحياة بالصبر، وصنعت نماذج راسيات كالجبال.
تحية تقدير وامتنان لمعلمة الأجيال الأستاذة سامية رسلان… المرأة التي أثبتت أن الأم والمعلمة حين تؤمن برسالتها، تستطيع أن تصنع من الألم نورًا، ومن الكفاح حياة تليق بالكرامة والنجاح.
سلامًا على تلك المعلمة التي تعبت كثيرًا ولم تنتظر تصفيقًا من أحد حتى فاضت روحها إلى بارئها… سلامًا على قلب أمٍ حارب الحياة بصمت، فانتصر.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







