آثار الحرب الامريكية الاسرائيلية ضد ايران، تضيف جراحا جديدة للقضية الفلسطينية فى الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، والأكثر سوءا أن تدخل القضية مرة أخرى «ثلاجة الموتى» لسنوات طويلة قادمة، فى ظل انشغال العالم بصراعات النفوذ والطاقة والتهديدات النووية والباليستية.
وتمر هذه الأيام ذكرى أطول نكبة فى التاريخ منذ عام ١٩٤٨، حيث يتجاوز الوجع الفلسطينى حدود الوصف، وفى الوقت الذى أحيت فيه إسرائيل، فى الخامس من مايو الجارى، ذكرى ما تسميه «يوم الاستقلال»، يستعد الفلسطينيون بعد أيام لإحياء ذكرى النكبة، وسط اعتداءات لإبادة الوجود الفلسطينى وتصفية قضيته، التى كانت «قضية العرب الأولى».
الوضع اكثر تعقيدا، بعد ان اصطدمت قضية «نزع سلاح حماس» بالواقع الميدانى، ولم تنجح محاولات فرض معادلات جديدة على الأرض، وترفض حماس الاستسلام، رغم الحصار الخانق، وعجزت الأطراف الدولية عن بلورة مسار حاسم، مما يجعل الأوضاع فى غزة عالقة بين تصعيد مفتوح وتسوية مؤجلة.
وفى الوقت الذى كان يُنتظر فيه أن تؤدى «لجنة إدارة غزة» التى أنشأها ترامب، دور المنقذ فى تسيير شئون السكان وتأمين احتياجاتهم، دخلت اللجنة حالة من الجمود التام، بسبب انشغال أمريكا وإسرائيل بالحرب، إلى جانب رفض اى صيغة لا تضمن للاحتلال السيطرة الأمنية الكاملة على غزة.
أما الملف الأكثر مأساوية فهو «مشروع إعمار غزة»، الذى بات حبراً على ورق، فى ظل الخسائر الفادحة الناتجة عن أحداث الخليج، فالدول الخليجية، التى كانت تاريخيا الممول الرئيسى لعمليات إعادة الإعمار، تواجه اليوم تحديات اقتصادية متزايدة، نتيجة الإنفاق الدفاعى الضخم، وأدى النزيف المالى والسياسى إلى جعل إعادة الإعمار رهينة للمجهول، بما يعزز فرضية تجميد القضية، وتأجيل احلام الفلسطينيين فى الاستقرار.
ويبقى السؤال الأكثر تعقيدا: هل تستطيع إسرائيل، مهما امتلكت من قوة عسكرية، أن تضمن أمنها واستقرارها بالقوة وحدها؟ وهل يمكن لكيان قام على الاحتلال ومصادرة الأرض وحرمان شعب كامل من حقوقه، أن يتحول مع مرور الزمن، إلى واقع طبيعى مقبول، دون الاعتراف الكامل بالحقوق التاريخية والوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني؟
التاريخ يثبت أن الأمن الحقيقى لا يُصنع بالسلاح وحده، وأن الاستقرار الدائم لا يقوم على القهر، بل على العدالة والاعتراف بالحقوق وإنهاء الاحتلال، ورغم تراجع سقف الطموحات، يبقى الشعب الفلسطينى قادرا على بعث قضيته من جديد، فالقوة وحدها لا تمنح شرعية للاحتلال، ودماء الأجيال الجديدة التى تُولد فى رحم النكبة هى القادرة على إخراج القضية من «ثلاجة الموتى»، وإعادتها إلى قلب الواقع.
الحقّ الذى وراءه مُطالب لا يموت، والقدس لا تزال حاضرة فى وجدان كل عربى، ولن تكون النكبة هى المشهد الأخير فى ملف القضية الفلسطينية.. القضايا العادلة لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن لذاكرة الشعوب أن تتخلى عن أرض ارتبطت بالهوية والتاريخ والكرامة .

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







