فى كل دقيقة، هناك 126 عائلة توقفت قلوبها على راحلين، بينما ظلت خوارزميات فيسبوك تعمل كأن شيئًا لم يكن
لا أذكر سبب هذه اللحظة الذى دفعنى للبحث عن أشخاص كانوا أصدقاء لدى لفترات متقطعة على « فيسبوك»، بعضهم تذكرتهم بالأسماء فبحثت عنهم بالاسم والبعض ظهر لى بالخوارزميات الذكية، ما كل هؤلاء الناس الذين فقدتهم!، صاروا مجرد حسابات فقط، صور بلا بشر.. منهم من فُقدوا فى وباء كوڤيد الذى قتل الناس، وآخرون قضوا فى مشاهد متفرقة وغادروا فى هدوء، والبعض كان ذكيًا فآثر الرحيل على البقاء والمغادرة على التأقلم.
يااه.. هذا الرجل أتذكره جيدًا كم كان حميما جدا وطيبا وسنه باسما نوبى الأصل والمنشأ، كان أكثر «جرسونات» ماسبيرو شُهرة وأناقة قبل ٢٠١١، رأيته محبوبًا لدى كل وزراء الحكومة والفنانين والعابرين والمهرجين والجادين وكل من مر فى خدمته، كان له قفاز قماشى أبيض ناصع يرتديه قبل العبور إلى صالون الضيوف، يعرف من يدخل ومن يخرج ومن يحل موعد فقرته على الهواء بالضبط كما يعملها المذيعون فى الاستوديو، علمنى شرب نقيع «الدوم» المصرى حتى أدمنته، بل وعلمنى كيف أصنعه بإتقان فصرت خبيرًا فى صناعته، وذات مساء هالنى خبر وفاته، واليوم أطالع ذكراه مجددا.. ارقد فى سلام يا عم محسن، كنت رجلا طيبا.
إحدى هؤلاء الراحلات كانت صديقة أبى وعشرة عمره، لم أعرفها إلا بعد وفاته، كانت تودنى وتسأل عنى كثيرا ثم انقطعت فجأة وغابت عن الظهور ولم أنتبه إلا بعد شهور، اللعنة على شئون الحياة وسرعتها، ماتت صديقة أبى الوفية، إلى لقاء قريب يا ست ميرڤت وسلام على الطيبين.
صديق آخر كان رفيقًا فى السفر دائما إلى الخارج، عرفته منسقًا للسياحة بشركة كبيرة، يصاحب المسافرين إلى البلد المطلوب فيكون عونا فى حجوزات الطيران والأوتيلات والمواصلات وكل شيء، سهلا كان للغاية ويحب تسهيل الأمور، فلا تفوته مسألة تحتاج تدخله إلا وقد يفعلها دون تأفف أو تضرر، كان يحب الناس حقًا ولا يقوم إلا على راحتهم فقط، رحمات الله عليك يا حجاج.
تحول فيسبوك أمامى فجأة إلى مقبرة جماعية لا تكف عن إعلان الموتى فى كل ساعة، فبحثت للإجابة عن: هل هناك من هم مثلى على الكوكب يبحثون فى عداد الموتى ويزورون الأحباب رقميًا!، فرأيت إعلانا أعلنه «فيسبوك» نفسه سابقًا قال فيه بأن هناك أكثر من 30 مليون شخص يزورون حسابات «مُخلدة الذكرى» شهريًا لقراءة المنشورات أو لترك رسائل لن يقرأها أحد وذلك لما يتقطع بهم الحنين والأنين.. دراسة أخرى عثرت عليها خرجت عن باحثى جامعة «إكسفورد» أعلنت فى العام ٢٠١٩، قبل أن يغير الوباء وجه التركيبة السكانية والديموغرافية للعالم، توقعت الدراسة أنه بحلول عام 2070، قد يتجاوز عدد حسابات المتوفين على فيسبوك عدد حسابات الأحياء. وإذا استمر نمو المنصة بنفس المعدلات الحالية «وقت إجراء الدراسة»، فإن عدد الموتى «رقميًا» قد يصل إلى 4.9 مليار شخص بنهاية هذا القرن.
الرقم ضخم بالفعل لكن تعرف ما المرعب فى الأمر، استمرار الناس فى كتابة «تعليقات» للمتوفى فى عيده أو ذكرى وفاته، وتساءلت.. هل نحن نكتب له؟ أم نكتب لأنفسنا لنقنعها بأنه لايزال هناك؟ ثم تراءى لى أن أسأل: إلى من تؤول هذه الحسابات إذن، ومن يملك إزالتها أو بياناتها أو إلغاءها أو إعادة تفعيلها حتى؟!
وفى بحثى وجدت: قانونًا، نحن لا نملك حساباتنا؛ نحن فقط «مستأجرون» لها حتى الوفاة، تؤول البيانات فعليًا إلى الشركة (ميتا)، وأن القوانين فى معظم الدول لا تزال قاصرة عن التعامل مع «الإرث الرقمي» كتعاملها مع العقارات أو الأموال، وأن الورثة لا يملكون «كلمة السر» قانونًا، وفيسبوك يرفض منحها لهم حفاظًا على «خصوصية المتوفى»، وهى مفارقة غريبة: الخصوصية تُحفظ ضد الأهل، لكنها تُباح للخوارزميات!
أما من يملك إعادة التفعيل؟ تقنيًا، الشركة تملك ذلك، وأخلاقيًا، هناك تخوفات من استخدام هذه الحسابات فى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعى لتطويره، ومخاوف أخرى من تسخير هذه الحسابات لاستخدامها فى «التزييف العميق» أو تحويلها إلى «بوتات» (Bots) تتحدث بلسان الموتى عبر الذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعل الجواب بذاته سؤالًا مستقبليًا مرعبًا بحق.
تعرف عزيزى القارئ بينما استغرقتُ أنت دقيقة واحدة لاستيعاب النص السابق والانتقال لقراءة هذا السطر، انضم نحو 126 شخصًا حول العالم إلى نادى «الصور بلا بشر».
ففى كل دقيقة، هناك 126 عائلة توقفت قلوبها على راحلين، بينما ظلت خوارزميات فيسبوك تعمل كأن شيئًا لم يكن. يوميًا، نستقبل فى مقبرتنا الزرقاء 181 ألف ضيف جديد، لا يطالبوننا بشيء سوى بـ 'لايك' قليل الحيلة على صورة قديمة، أو تعليق لن يقرأه أحد!

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







