شوقى بدر يوسف
عن عمر ناهز التسعين عاما رحلت فى العاشر من أبريل الكاتبة السورية كوليت سهيل الخورى بعد أن ملأت الدنيا إبداعا وبحثا عن حرية المرأة، وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح. كانت كوليت خورى من أكثر الكاتبات السوريات إخلاصا لدمشقيتها. وكان لنشأتها العريقة اجتماعيا وسياسيا وثقافيا دور كبير فى توجهها الثقافى والأدبى والسياسى.
ولدت كوليت خورى فى حارة ضيقة من حارات بابا توما، الحى المسيحى بدمشق عام 1937 تألقت على مدى أكثر من ستين عاما أدبيا وسياسيا بسبب نبوغها المبكر فحصلت على مكان فى موقع متقدم من المشهد السردى العربى، وهى من أسرة سياسية عريقة. فجدها هو السياسى الكبير فارس الخورى، ووالدها سهيل الخورى أحد أعلام السياسة السورية، ولا عجب فقد أكملت كوليت هذه المسيرة السياسية عندما فازت فى انتخابات مجلس الشعب فى سوريا فى دورتين تشريعيتين متتاليتين. كانت تكتب أعمالها بالعربية والفرنسية ومواهبها متعددة فى الشعر والمسرح والقصة والرواية والتوثيق، من هنا يمكن اعتبارها من المبدعات الاستثنائيات فى الأدب السورى والعربى المعاصر وكانت فى إبداعها المتنوع فى المشهد الأدبى لها ألق خاص فى الحضور على كافة الأصعدة والمستويات.
***
وما يهمنا فى ذلك السياق هى أنها من جيل التمرد الروائى الأنثوى الذى ظهر فى خمسينيات القرن الماضى مع غادة السمان، وليلى بعلبكى، وصارت كوليت خورى ثالث هذا المثلث الروائى الأنثوى الذى حطم تابوهات الجنس، وذكورية الرجل فى مجال السرد الروائى. وأقام الدنيا ولم يقعدها حين فجر براكين استعباد الأنثى العربية، وسارت كل كاتبات الأجيال التالية خلف صيحات التمرد التى أطلقنها، فقد انتبهن إلى أن ثمة طريقا جديدا يفضى إلى فك إسار الكتابة الروائية بعيدا عن كتابة الرجل فى ذلك الوقت، وقد تأثرن بأعمال فرانسواز ساجان وسيمون دى بوفوار وفرجينيا وولف وغيرهن من الكاتبات الغربيات اللائى اقتحمن مجال ذكورية الرجل فى الرواية العالمية.
وفى هذا الإطار واصلت كوليت خورى فى أعمالها المختلفة التغنى بمعانى الحرية من خلال كتبها «رعشة»، «ليلة واحدة»، «أنا والمدى»، «كيان»، «دمشق بيتى الكبير»، «مر صيف»، و»معك على هامش روايتى». وكانت قصة كوليت مع الشاعر العربى نزار قبانى – كما هو معروف - تشبه فى صورتها رعشة اليد فى لحظات الحب ولحظات الفراق، فهى أشبه لما تتعرض له الأنثى العربية فى مراحل حياتها حين تحب وحين يتخلى عنها الجميع، لكنها ظلت فى عروبتها المعروفة التى تنتمى إليها ابنة إحدى الأسر السورية العريقة الحاضرة بصورتها الأنثوية المشرقة فى دواوين نزار قبانى لا تبرحها حتى الآن.
***
وقبل إلقاء الضوء على عالمها الروائى نود الحديث عن شاعرية كوليت خورى التى ساهمت فيها منذ نعومة أظفارها، فقد كان الشعر فى حياتها هو العالم الشفاف الملىء بالجمال والبهاء والمتوارى خلف عطاءاتها فى القصة والرواية والمقالة، كان بمثابة الواحة التى تظلل بها نفسها مرة كل عدة أعوام، فقد كتبت الشعر على هوامش دفاتر كتبها المدرسية فى مطلع سنوات الصبا والشباب، وأطلت على الساحة الثقافية بإطلالتها الشعرية الأولى باللغة الفرنسية فى مجموعتها الشعرية الأولى (عشرون عاما) 1957 تبعتها بمجموعتها الثانية باللغة الفرنسية أيضا تحت عنوان (رعشة) عام 1960 وتعلق كوليت عن الشعر قائلة: الشعر بالنسبة لنفسى هو شعور صادق وموسيقى عذبة.
ومن أقوالها: كنت أريد أن أكون مطربة أو عازفة موسيقى لكنهم منعونى من الصراخ بصوتى فصرخت بأصابعى. وأنا لا أغار من الأديبات ولا من النساء الجميلات لأن عالمى الداخلى أكبر من الدنيا كلها. كما قالت أيضا: المرأة أكثر صلابة من الرجل فى السياسة، ونصف العالم اليوم تحكمه النساء. كما أن الرجل الحقيقى هو الذى يحترم المرأة ويستوعب طموحاتها وأحلامها.
***
صدر لكوليت خورى فى مجال الرواية «أيام معه» 1959، «ليلة واحدة» 1961، «كيان» وهى رواية أسطورية قصيرة عام 1969، و»مر صيف» 1975، «دعوة إلى القنيطرة» 1976، «أيام مع الأيام» 1979.
وفى روايتها الأولى «أيام معه» تلتقى ريم بـ زياد وهو موسيقى يكبرها، وتدخل معه فى تجربة حب وكانت هذه التجربة هى اكتشاف حقيقى للحياة والذات معا بالنسبة لريم الفتاة اليافعة المتمردة الصغيرة فعاشت من خلالها كل أحاسيس الرغبة والفرحة والقلق والسعادة. لكنها اكتشفت أن الرجل الذى أحبته، عكس ما تخيلته، فهو «دوان جوان» باعتراف الجميع ويراها مجرد مغامرة جديدة تضاف إلى مغامراته السابقة، وكما بدأت التجربة بفراغ حياتى تنتهى أيضا بنفس الفراغ حيث تقول بطلة الرواية ريم: «قد تكون هذه المغامرة نارا أحترق بها ولكن على الأقل يوما ما سأشعر بأن وجودى لم يكن تافها، وبأن روحى أصبحت لها قيمة لأنها تكون قد احترقت ولكنها أضاءت الكثير من أرواح الآخرين».
وفى روايتها الثانية «ليلة واحدة» تعرت الزوجة (رشا) بجسدها لأول مرة بعد عشر سنوات من زواجها، فى خيانة مفاجئة أمام شاب فرنسى التقت به فى القطار المتجه إلى باريس، تعرت بجسدها ورفعت الغطاء عن حالة الغليان الاجتماعى وما يرتبط به من عادات وتقاليد شرقية، وكذلك كشفت عن كل الموروثات السائدة فى المجتمع الشرقى فى ذلك الوقت. كانت رشا قد دفعت فى هذه الليلة كل العهر الجسدى بعد أن فكت حزام العفة الشرقى لتستقبل بعدها هذا الفراغ النفسى الرهيب فأتعبها وجلدها بآلام لا تطاق، لقد كانت بطلتا كوليت خورى فى كل من «أيام معه» و»ليلة واحدة» متمردتين على ذكورية الرجل وعلى الفراغ النفسى الذى عانتا منه منذ انطلاقهما فى رحلة الحياة، قالت ريم بطلة «أيام معه»: «أين الهدف الذى عشت من أجله طيلة حياتى كى أصحو له الآن بسعادة لحظة؟». وهكذا فإشكالية الفراغ الذى تواجهه المرأة كان هو الموضوع الملح فى العالم الأدبى للكاتبة، تكتب فى نهاية قصة «الفراغ»: «..ومرة أخرى يمضى كل منا فى طريق، هو حامل معه طيفه، وأنا حاملة معى هذه المرة فضولى، ومتوغلة فى العالم الجديد الذى ما عدت أخشاه.. عالم الفراغ».
***
وفى روايتها «كيان/أسطورة» يتجلى الهروب من الواقع إلى الوهم المخدر بما يشبه الأسطورة، وهى تراتيل لمعاناة امرأة تشعر بالعزلة وترزخ تحت الخواء والفراغ والوجيعة بسبب نظرة العالم إليها، ورواية «كيان» تعتبر تراتيل صوفية كتبتها كوليت خورى بأسلوب أقرب إلى الشعر والبناء الأسطورى فى السرد، وتجسد فيه هذه النزعة الذكورية حول وجود المرأة فى منحدرات المجتمع تحت وصاية الرجل وأنها لا بد أن تكون منزوية مقهورة مسلوبة الإرادة. كلما صرخت ومهما علا صراخها فإنها صرخات فى الهواء لا جدوى منها ولا فائدة.
تحولت كوليت الخورى إلى أيقونة عربية سورية ورمزا فكريا وأدبيا له مساره الخاص فى التعبير، وقد شكلت ظاهرة فريدة فى السلوك الوطنى والحضارى والإنسانى، ولا يختلف اثنان على حضورها الكبير فى الساحة الأدبية والثقافية العربية، وانفردت عن غيرها من كاتبات دمشق بكونها الأكثر إخلاصا لنشأتها الدمشقية البرجوازية، فقد جعلتها رائدة من رائدات النسوية السورية وقد تركت هذه السمات أثرها الواضح على منجزها الأدبى والفكرى، فكتاباتها تعكس بوضوح شديد جوانب عدة من شخصيتها لأنها كانت تكتب عن كوليت خورى رمز المرأة السورية العارفة لطريقها جيدا.

فانوس فوق المقطم
أصعب من الكتابة للكبار الأطفال كقراء قساة
جمال الغيطانى.. حامل سلام العابرين







