د. أحمد حسن أنور
رحل عن عالمنا يوم الاثنين الموافق 27 إبريل 2026م المستشرق الإيطالى الأب أ.د. جوزيبى سكاتولين؛ أحد أبرز المتخصصين عالميا فى دراسة التصوف الإسلامي، ومن أهم الباحثين فى شعر سلطان العاشقين عمر بن الفارض، ولعل خير ما يُرثى به هذا العالم الجليل أن نُعرّف بمسيرته العلمية، ومؤلفاته البحثية عن الحضارة العربية الإسلامية عامة، والتصوف الإسلامى بشكل خاص.
جوزيبى سكاتولين راهب كاثوليكى ولد عام 1942م بشمال إيطاليا، بدأ بدراسة اللغة العربية بجامعة ماريوسف ببيروت التى حصل منها على الدبلوم فى الدراسات العربية عام 1971م، ثم انتقل إلى القاهرة ليحصل على ليسانس الآداب فى اللغة العربية من جامعة القاهرة (فرع الخرطوم) عام 1978م. إلا أنه فى ذات التوقيت نجح فى إعداد اطروحة دكتوراه فى أحد الموضوعات الصعبة وهو التجربة الصوفية عند الشاعر المصرى عمر بن الفارض أخرجها فى ثلاثة مجلدات كتبت باللغة الإيطالية، وبعد ذلك نشر ثلاثة مجلدات أخرى باللغة الإيطالية بعنوان: التجربة الصوفية فى الإسلام، ثم كتاب الإسلام والعولمة، وكتاب الله والإنسان فى الإسلام، وكتاب الإسلام والحوار، ونشرت هذه الكتب باللغة الإيطالية فى بولونيا عام 2004م.
ويمكننا القول إنه بدءًا من عام 2004م حدث تحول نوعى فى كتابات سكاتولين، فبعد أن كان يكتب مؤلفاته باللغات الأوروبية (الإيطالية، والإنجليزية، والألمانية، والفرنسية) بدأ يتجه إلى التأليف المباشر باللغة العربية؛ وهذه ظاهرة نادرة فى الاستشراق المعاصر، أن نجد مستشرقا أوروبيا يكتب مباشرة باللغة العربية، ومعنى ذلك أنه يستهدف مخاطبة القارئ والمثقف العربى بشكل مباشر.
ومن أبرز أعمال سكاتولين باللغة العربية: تحقيقه لديوان عمر بن الفارض الذى نشر فى طبعته الأولى بالمعهد الفرنسى للآثار الشرقية بالقاهرة عام 2004م وأعيد نشره بالهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة عام 2011م، ومكتبة الأسرة فى الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2013م، وبمجرد ما يتم طباعة هذا الكتاب تنفذ نسخه سريعًا من المكتبات، وقد وصف فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب (شيخ الأزهر الشريف) هذا التحقيق قائلا: جوزيبى سكاتولين: أحد كبار المغردين فى دوحة الشاعر الصوفى المصرى سـلطان العاشقـين: ابن الفارض، وله أيادٍ بيضاء فى تحقيـق ديـوانه وإخراجه لأول مرة فى نشرة علمية نقدية، وذلك رغـم عُـسْر اللغة الشعرية فى قصائد سلطان العاشقين، ورغم الغموض الشديد الذى يجلِّل مفرداته العذبة والقوية فى الآن نفسه، وقد استطاع أ.د جوزيبى سكاتولين- وهو الغريب عن العربية- أن يغوص فى لغـة ابن الفارض، ويستخلص لنا ديوانه فى نشرة علمية نادرة. فله منا– أهل اللغة العربية– الثناء العاطر والشكر الجزيل.
والجدير بالذكر أن سكاتولين قد أبدع فى استخراج وإثبات القراءات المختلفة لديوان عمر بن الفارض من المخطوطات الخاصة بالديوان والمنتشرة فى أكثر من ثمان دول عربية وأوروبية، مما جعله يضع عنوانًا فرعيًا لتحقيقه وهو «قراءات لنصه عبر التاريخ»، فبمطالعة تحقيقه للديوان يمكن للقارئ أن يجد فى الهوامش التى بلغت أكثر من (2500) هامش كل الاختلافات الواردة فى القراءات المختلفة للديوان عبر ثلاثة قرون من الزمان، وبذلك أصبح هذا التحقيق عملاً منهجيًا وتطبيقيًا فى تحقيق التراث الإسلامى والصوفى لا نجد له مثيلا.
وفى عام 2008م قدم سكاتولين عملاً فى منتهى الأهمية للقراء العرب بعنوان «التجليات الروحية فى الإسلام: نصوص صوفية عبر التاريخ» وذلك بالاشتراك مع كاتب هذا المقال، وقد نشر هذا الكتاب بالهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2008م، ويحتوى هذا العمل على تعريف بأكثر من 45 صوفيًا ابتداءً من القرنين الأول والثانى الهجريين (حركة الزهاد)، مرورًا بأصحاب المصنفات الصوفية الكبرى، حتى انتهى الكتاب بأهم شخصيات القرن السابع الهجري. ولعل السبب الذى دفع سكاتولين وتلميذه إلى تأليف هذا الكتاب يكمن فى إدراكهما إلى أى مدى انتشرت القراءات الأيديولوجية لمفهوم التصوف، فأرادا بتأليفهما لهذا الكتاب أن يحاولا استكشاف المعنى الأصلى لمفهوم التصوف عبر العصور استنادًا إلى الواقع التاريخى والنصوص الصوفية عبر التاريخ، كما أرادا أن يجعلا المتصوفة يتحدثون بأنفسهم عن التصوف، فى محاولة منهما لتجنب عمل أى إسقاط ذاتى أو أيديولوجى على الأفكار الصوفية قدر الإمكان. خاصة أن المؤلفين قد راعيا فى هذا الكتاب عدة نقاط منهجية أبرزها: اختيار النص المركزى لدى كل شخصية صوفية وردت فى هذا الكتاب، ومراعاة تطور المعنى فى المفاهيم والمصطلحات والأفكار الصوفية من قرن لآخر.
وربما يكون من المفيد الإشارة إلى أن هذا الكتاب لم يقتصر على كونه مرجعًا أساسيًا للقارئ العربى المهتم بالتصوف الإسلامى فقط، بل تحول إلى كتاب مرجعى لأتباع الطرق الصوفية أنفسهم؛ فأخذوا يتلقفونه تداولا وقراءة ودرسًا وتحليلاً؛ وحرصوا على استضافة المؤلفان ليقدما دروسًا لهم فى هذا الكتاب، ولن نبالغ إذا قلنا إن أحد الدروس التى قدمها المؤلفان لإحدى الطرق الصوفية بصعيد مصر كان الحضور فيها يتجاوز ألفى شخص من مريدى تلك الطريقة الصوفية.
ومن ضمن المفارقات أن سكاتولين (الراهب الكاثوليكي) قد أخذ مكانة مهمة، بل مركزية فى الأوساط الإسلامية بمصر (الشعبية والرسمية) بسبب تأليفه لهذا الكتاب. فعلى الصعيد الشعبي: نجد شيخ أقدم مسجد تاريخى بمدينة أسوان بمصر يطلب من سكاتولين فى زيارته للمسجد أن يجلس على كرسى الخطابة ما بين صلاة المغرب والعشاء، وقد أشار سكاتولين نفسه إلى تلك الخبرة الاستثنائية له كراهب كاثوليكى حين جلس يتحدث مع المسلمين عن التصوف الإسلامى من على كرسى إمام المسجد الكبير بأسوان. أما على الصعيد الرسمي: فنجد ما ذكره الإمام أحمد الطيب (شيخ الأزهر الشريف) عن كتاب التجليات الروحية فى الإسلام فى تصديره الذى قال فيه: وهـذا الكتاب الجليل الذى نُقَـدِّم له يعرض فى أمانة علمية دقيقة مظاهر التجليات الرُّوحية فى الإسلام ويتحدث عن التصوف الإسلامى نشأةً وتطورًا وازدهارًا وعرضًا لبعض المفاهيم والقضايا الإنسانية، وذلك من خلال نصوص شيوخ التصوف أنفسهم، أخذًا من كتبهم وأقوالهم، بَدْءً من القرن الأول وانتهاءً بالقرن السابع الهجريين. والكتاب فى هذه الخطة العلمية الجادة سِجلٌّ حافل لأقوال الصوفية المسلمين فى هذه الفترة التاريخية الطويلة، ومنجم مملوء بمأثورات كبار الشيوخ والعارفين بالله تعالى؛ وقد جمع هذا الكتاب دررًا غَوَاليَ من عيون قصائد الحب الإلهى وأسراره، واحتشد فيه من أقوال الصوفية قدر كبير قَلَّ أن يجتمع فى سِفر آخر قبل هذا الكتاب.
إذن لم يكن سكاتولين عشوائيًا عندما أقدم على تأليف هذا الكتاب باللغة العربية؛ بل أراد أن يترك إسهامه المتميز، وخبرته الطويلة مع الدراسات الصوفية عبر نصف قرن من الزمان.
ومن ضمن مؤلفات سكاتولين الأخرى باللغة العربية، والتى لا يتسع المجال لعرضها ومناقشتها فى هذا المقال نجد كتابه المعنون بالأبعاد الصوفية عند عبد الملك الخركوشى (ت: 406هـ/ 1015م)، بالاشتراك أيضًا مع كاتب هذا المقال، ويكتشف هذا الكتاب شخصية شبه مجهولة فى تاريخ التصوف الإسلامي. ولعل ما يميز هذا الكتاب استحضار المؤلفان لمنهج غربى معاصر وهو المنهج الدلالى وتطبيقهما لهذا المنهج على نصوص الخركوشي. بالإضافة إلى قيامهما بتخصيص قاموس للألفاظ والمصطلحات الصوفية المتداولة فى القرنين الرابع والخامس الهجريين.
أما الكتاب الأهم من وجهة نظرنا لسكاتولين فهو تأملات فى التصوف والحوار الديني: من أجل ثورة روحية متجددة، وقد نشر بالهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2013م، وقد كلف فضيلة الإمام الأكبرد. أحمد الطيب مستشاره فى شئون الحوار بين الأديان آنذاكد. محمود عزب (رحمه الله) بكتابة التصدير، وقام بكتابة المقدمة الدكتور عمار على حسن، ويمكننا القول بأن سكاتولين فى هذا الكتاب قدم عناصر فلسفته الدينية الخاصة من خلال توظيفه الفلسفى الفريد لمصطلحات التصوف والحوار بشكل جديد وغير مألوف من قبل، متخذًا منهما طريقًا لمواجهة سلبيات العولمة، ويعد هذا الكتاب بحق خلاصة فكر سكاتولين. وفى النهاية نشير إلى أن مجمل أعمال الأب جوزيبى سكاتولين قد بلغت 66 دراسة بين كتب وبحوث ومقالات كتبت بعدة لغات: الإيطالية، والإنجليزية، والألمانية، والفرنسية، والعربية، وبالطبع يصعب وصفها كاملة فى هذه المقالة المحدودة.
وفى النهاية نعرف القارئ بأن سكاتولين قد عاش فى مصرنا الحبيبة ما يقارب نصف قرن من الزمان، وكان دائما يقول لي: يا أحمد أنا مصرى أكثر منك لأننى عشت فى مصر سنوات أكثر من عمرك، واعتقد أنه قد وجب علينا تأبين وتكريم الرجل الذى ظل طوال حياته الشخصية والعلمية أحد رواد الحوار والتسامح، وأحد أبرز الدارسين للتصوف الإسلامي، وأقول له مع السلامة أستاذى وصديقى العزيز.

فانوس فوق المقطم
أصعب من الكتابة للكبار الأطفال كقراء قساة
جمال الغيطانى.. حامل سلام العابرين







