فى عام 2020 كانت فكرة هذا الكتاب تلح عليّ وبشدة؛ خاصة بعدما اكتشفت أننى لا أعرف الإسكندرية بالقدر الكافي، وأن علاقتى بها يشوبها بعض الفتور، عكس علاقتى الرائعة بالقاهرة وشوارعها التى لا أخاف من التيه فيها واستكشافها، فكان هذا الكتاب محاولة، أردتها أن تكون مكتوبة ومشهودة، لبحثى عن المدينة الأسطورية التى لا تشبه المدينة الحالية التى نعيش فيها، والبحث عن تلك اللحظة من عمر الزمن التى تخلت فيها الإسكندرية عن إعجازها، وتحولت لشبح مجد قديم، لكنى لم أتخيل أننى سأصحب طيف تمثال، كدليل يُرشدنى عبر دروب الإسكندرية التى كانت.
لعل السؤال الأكثر طرحًا على هو معنى كلمة تناجرا، والتناجرا ببساطة هى نوع من التماثيل التى عُثر عليها فى مقابر بعض المدن اليونانية، والتى ترجع إلى العصر الهلنستي، والمفارقة أن الإسكندرية كانت إحدى مراكز صناعة هذه التماثيل الصغيرة، التى فى العادة صورت النساء بملابسهن وتسريحات شعرهن وأغطية رؤوسهن وحليهن. هذه التماثيل ألهمت الأوروبيين لشدة دقتها ورقتها، لكنها بشكلٍ ما خلدت (الحركة المحدودة) للنساء اليونانيات، والسكندريات بالطبع، بهذا القدر من طبقات الملابس وبحقيقة أن بعض الأماكن العامة فى المدن اليونانية كان محظورًا على النساء دخولها، وربما لأجل هذه النقطة بالذات كانت تماثيل التناجرا الصغيرة فى المتحف اليونانى الرومانى إلهامًا ودافعًا لبدء العمل بشكل جاد على هذا الكتاب، وفى الحقيقة كانت دافعًا لتغيير شكل الكتاب، الذى أفلت من قدر أن يكون حديثًا عن نساء الإسكندرية البطلمية وأماكن تواجدهن فى المدينة القديمة التى لم تسمح لهن بالتجول بحرية فيها. وربما عندما جعلت من تناجرا دليلًا ومرشدًا لى فى المدينة القديمة، كنت أشعر وأننى أُسدد دين (حرية حركة) قديم لنساء المدينة القديمة، وربما أيضًا لثقتى بقدرة النساء على اكتناز الحكايا، حتى ولو كان المنتصرون من السادة الرجال هم من يكتب التاريخ.
على مدار حوالى 400 صفحة تناولت حكايا الإسكندرية كمحاولة لرسمها وتخيلها كمدينة، لا كحكاية نقرأها ولا نجد ريحها عندما ننزل إلى شوارعها، بدءًا من المدن التى كانت فى الشرق منها قبل نشأتها، ثم النشأة والحكايات التى ارتبطت بها، وسؤال الحدود والامتداد وكيف ومتى ولماذا توسعت، مرورًا بمبانيها الإعجازية كالفنار والمكتبة، وأيضًا البيوت والسكن والطعام والملابس والحُلى ومساحات المدينة المفتوحة كالحمامات والأسواق والجمنازيوم، والبلاط الملكى بنسائه وشعرائه وكرنفالاته، ثم ما تبقى من الحركة الأدبية والفلسفية الدينية للمدينة، وفى الخلفية كان تاريخ المدينة يدور؛ البطالمة، اليهود، المصريون، الرومان، المسيحية والصراع مع الوثنية الذى كان بداية نهاية المدينة القديمة، ثم الفتح الإسلامى الذى غير هوية الإسكندرية، والذى تزامن مع اضمحلالها قبل ثورة التجديد التى قادها محمد على باشا، ومن بعده خلفاؤه، وهنا توقفت لأنه من المزمع استكمال البحث عن الإسكندرية بوجهها الكوزموبوليتانى الجديد فى جزء آخر من (إسكندرية فين).
هذا الكتاب، الصادر عن دار العين، يتحدث عن تاريخ المدينة من بعض الزوايا التى ربما لم يُنظر عبرها كثيرًا عند الحديث عن الإسكندرية، وربما سيجد القارئ السكندرى وغير السكندري، بعضًا من نفسه بين سطوره.
سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل
صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم
كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا







