عاطف محمد عبد المجيد
كوفيتك حيكت من خيوط الشمس
والرمال والحرية
كوفيتك
مشبعة بدماء الشهداء
كوفيتك تحمل لون عيون فلسطين الخضراء
كوفيتك
لا تحتمل ضعفًا أو نذالة.
هذه السطور الشعرية من قصيدة «تلك هى كوفيتك» للشاعرة والناقدة البلغارية باتريتسيا نيكولوفا التى يضمها ديوانها «الصبار.. قصائد عن الحب والحرب» الصادر عن دار صفصافة للنشر والتوزيع، بترجمة وتقديم الشاعر الفلسطينى المقيم فى بلغاريا خيرى حمدان، الذى يرى أنها شاعرة تتميز بضميرها الحى وقدرتها على رفع صوتها من خلال الكلمة الناقدة والقافية المتأهبة المتمردة ضد أصناف العنف والظلم الاجتماعى والسياسى كافة، مشيرًا إلى أنها كانت من المبادرين الذين كتبوا المقالات والقصائد الداعمة لمحنة المواطنين الأوكرانيين، كذلك لم تقف مكتوفة الأيدى تجاه عملية التطهير العرقى فى غزة والترهيب الشعبى والمقتلة المستمرة فى هذا القطاع، وقطعت على نفسها عهدًا لفضح الممارسات الإرهابية لدولة الاحتلال الإسرائيلى من خلال القلم والقافية، رغم أن الموقف السياسى البلغارى حذر وموالٍ لإسرائيل بصورة علنية.
فى مقدمته يذكر خيرى حمدان أيضًا أن باتريتسيا كرست موهبتها لمدة عام كامل لتوثيق مشاعر الرفض لعمليات قتل الأطفال والنساء والمواطنين وتدمير المساجد والمدارس والجامعات والمستشفيات واغتيال الأطباء والصحفيين، وغيرها من الأعمال الهمجية على مرأى العالم ومسمعه، وأمام عدسات الكاميرات، واصفًا ديوانها هذا بأنه جريء وصريح وداعم للمستضعفين.
الحرب والحب
تمتد من كل حجر فى غزة يد
محبطة – أصابعها مبتورة
تحاول أن تلتقط رجع الريح
فى كاحل القدمين
وتفشل.
ينقسم ديوانها هذا، وفقًا لقول المترجم، إلى جزأين يلتقيان وينفصلان فى بعض المواقع، الحرب والحب الجارف القادر على قهر مشاعر الضعف وغياب الإنسانية، وفيه تكشف باتريتسيا عن مشاعرها الحميمية والعاطفية مدركة أن الحب والوفاء والعطاء هم سمة وخاصية إنسانية راقية، وحدها المؤهلة للهيمنة على الحرب والصراع المميت والتدمير الذى تشهده الإنسانية فى ظل غياب النظم الأخلاقية على الصعيد العالمي.
ما يشير إليه المترجم هنا هو أن الشاعرة أصرت على ترجمة ديوانها هذا إلى اللغة العربية وصدوره فقط بهذه اللغة تكريم لمعاناة أهل غزة، وطالبت ناشرها الإسبانى تأجيل صدور ديوان آخر لها لما بعد صدوره باللغة العربية. فى قصائدها تجسد باتريتسيا ما كان يحدث فى قطاع غزة والانتهاكات التى كان يمارسها الكيان المحتل على أهلها:
تلعن الكلاب لغة القصف والدمار
وكيف لها أن تتعرف إلى
رائحة أصحابها؟
تلك الجثامين المحتجزة تحت الأرض
ما دام القصف على مدار الساعة لا يسكن
ورائحة الأحبة قد امتزجت بكتل الطين.
الاسم الآخر للألم
تصور باتريتسيا فى قصيدتها «أنشودة لآخر درس فى المدرسة» إحدى المجازر التى وقعت فى ساحة إحدى مدارس غزة وخلفت وراءها جثامين متناثرة الأشلاء وطباشير ملقاة بجوار سبورات ملطخة بدماء الأطفال وأدمغتهم المتناثرة، راسمة مشهد التلاميذ المذعورين من هول المأساة وهم يرون أمامهم أشلاء زملائهم القتلى: الأيدى والأقدام والرؤوس المتشظية، كما ترسم فى قصيدتها «صفية» لوحة للمرأة الغزاوية التى تدوسها جنازير المدرعات دون أن تقوى على الهرب فتنساب من بطنها كل الأجنة التى لم تلدها بعد:
آلاف الأطفال انسلوا من بطنها، مع أحشائها
لكن ملاكها الحارس ساهر عند رأسها
يهمس لها: «ما خطبك يا صفية، ماذا فعلتِ»؟
بينما تكتب فى قصيدتها «أنت من قال» المعاناة التى يكابدها أهل غزة والآلام التى يقاسونها طوال الوقت وهم فى العراء أسفل سماء ترمى عليهم بالصواريخ والشظايا القاتلة:
الصبار يولد بأشواكه
وفى غزة ينمو الشوك
إلى الباطن
أنت هو الاسم الآخر للألم
قلبك على هيئة
قنبلة.
ولما للصبار من دلالات على الصبر والتحمل فقد جعلت الشاعرة كلمة «صبار» ترد فى عناوين ثلاث قصائد من قصائد الديوان، حلم صبار البادية، صبار، أهديتك صبارًا، فى إشارة منها إلى أن أهل غزة يتحملون الكثير صابرين منتظرين غدًا أفضل حالًا من يومهم الذى يسيطر عليه القصف والدمار من قبل جيش الاحتلال الذى لا يعرف عن الإنسانية أى شيء، يعرف فقط القتل والتدمير والعنف والاستيلاء على أراضى الآخرين دون وجه حق:
ينفض عن جسده الرمل
كل ليلة
ينطلق، يجوب أنحاء الدنيا خاويًا من الشوك
يحلم صبار البادية
كل ليلة
بأعشاب البحار
بأعشاب البحار.
سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل
صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم
كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا







