د. محمود عبد البارى تهامى
عندما أقرأ كتابا، أحب دائما أن أبدأ من العنوان، فالعنوان دائما يعد قارئه بشيء ما، واختيار العنوان يخضع غالبا لاختيار المؤلف، كما أن اختيار ترتيب الفصول، وعناوينها الفرعية هو الآخر يعد خطوات إجرائية، يتخذها الكتاب فى سبيل تحقيق الوعد المتضمن فى العنوان، و«عودة الضوء» تعنى ضمنا أنه كان غائبا، أو محجوبا، والضوء أسطع من النور، فالضوء مصدره الشمس، ونحوها، أما النور؛ فهو كل انعكاس له، والسؤال هنا أى ضوء يعدنا به مؤلف مقالات هذا الكتاب؟!
لا يمهل محمد خلف قارئه، ولا يطيل عليه فى التعريف بكتابه الصادر مؤخرا عن الهيئة العامة للكتاب؛ فيبادره فى مقدمة الكتاب بما يقطع عليه أى محاولة من محاولات التأويل التى قد تحيل العنوان من وسم لكتاب يضم مقالات أدبية واجتماعية، إلى أى تصور آخر حول النوع الأدبى الذى تنتمى إليه نصوص الكتاب، فيوضح أمرين فى غاية الأهمية، أولهما أن مقالات هذا الكتاب كتبت منجمة، ونشرت كذلك، ولكنه بعد حين قرر جمعها فى متن واحد، والأمر الثانى أن مقدمة الكتاب كانت فى كتابتها أصعب من كتابة المقالات التى ضمها، لدرجة أنه تمنى أن تكتب الكتب بلا مقدمات، وفى الحقيقة تبدو مقدمة الكتب فى غاية الصعوبة حقا، لأنها تؤدى ما تؤديه الافتتاحيات فى الأعمال الإبداعية جميعها، فإما أن تصاغ على النحو الذى يوضح قوة الرابطة بين العنوان وما يعد به القارئ من ناحية، وبين الموضوعات التى يقدمها فى الفصول من ناحية أخرى، فتوسم بما يشبه (حسن التخلص) كما فى القصائد البليغة القديمة، التى ينقل فيها الشاعر متلقيه من مقدماته الوصفية والطلية، وما يحيط بها إلى الغرض، وفى الحقيقة أيضا يمكن أن توصف مقدمة الكتاب من هذه الجهة بأنها حسن فيها التخلص، وجاءت مقدمة مناسبة لموضوعات متعددة، جمعها صاحبها فى كتاب واحد، وفى الكتاب الواحد قسمها إلى فصول، فى كل فصل مجموعة من المقالات التى تتناول موضوعة من موضوعات الحياة، تفحصها من أكثر من زاوية، وتتأملها، ويبدى فيها مؤلف المقال رؤيته الذاتية، وهى من أهم خصائص فن المقال، ويقدمها لقارئه، رغبة فى أن يشاركه رؤيته، دون أن يفرضها عليه، بدليل أن كل مقالة من المقالات تقريبا تنتهى بسؤال حول تلك الرؤية، وهو سؤال لا تحسم إجابته، بل إن بعضا من تلك الرؤى طلب الكاتب من قلمه أن يمحوها محوا.
والموضوعات التى يقدمها الكتاب تبدو موضوعات مألوفة، بل إن معظمها أفكار عامة، اعتاد الناس أن يمروا بها مرور العابر الكريم، ومنها (القدر والأسباب: الغيب، وبرنامج الموت، الحق والباطل، ما وراء الأسباب، أيها الأسباب)، ومنها أيضا موضوعة (الذات والمجتمع: أنا، الانتحار، العاطفة والعقل، جاذبية القوة)، ومنها كذلك موضوعة (الرجل والمرأة: الخلع، قلبا المرأة، الطلاق، حق الطاعة، حول تعدد الزوجات، سلطان وجبار)، ثم ينتقل إلى موضوعتى (القانون والقضاء، والقانون والطب: القضاة، المحاماة، المرأة فى القضاء)، ثم ينتقل إلى موضوعة (طه حسين) وطه حسين فى حد ذاته يعد موضوعة تعادل الموضوعات الكبرى السابقة، أو هو فى حقيقة أمره يعد تجسيدا وتشخيصا لكل الموضوعات المجردة السابقة، ومن هنا تنقسم موضوعة طه حسين عند محمد خلف إلى (طه حسين بين الحب والالتزام، طه حسين والصحابة، طه حسين والفتنة الكبرى، ثم سوزان طه حسين)، وبعد ذلك يعرض محمد خلف مجموعة من الموضوعات المتنوعة التى ترتبط فى معظمها بمشكلات اجتماعية معاصرة، وفى قليل منها بمعضلات تاريخية من التاريخ القريب، ولكنها على الرغم من قرب العهد بها تظل موضع قلق وتساؤل، وما يحيط بها من التساؤلات، أكثر مما قدم لها من إجابات، وعلى رأسها موضوعة النكسة، والثأر من النكسة، وحرب أكتوبر، وهذه الموضوعات تحديدا ربما كان ما كتبه محمد خلف حولها أو عنها يأتى فى شكل إعادة قراءة، وعرض، وتقييم رؤى فكرية وإبداعية لكتب سابقة، من بينها كتاب الثأر من النكسة لطارق الطاهر، وهنا يبدو هذا العرض والتقييم نوعا من أنواع عودة الضوء، ولعل ما يسم مقالات هذا الجزء الأخير تحديدا هو الإجابات النهائية الحاسمة، والجهر باللغة التقريرية، والخطابية، والمباشرة.
عند تأمل طريقة الكاتب فى تقديم موضوعاته التى سردتها جملة وتفصيلا، وربما تبين من هذا السرد ما سبق أن ذكرته أنها أفكار كبرى، سبق أن تناولها غيره، حتى صرنا نمر بها مرور الكرام، حتى موضوعة الغيب، والقضاء والقدر، نجد الكاتب نفسه يذكر واحدا ممن تحدث عنها قبله بأسلوب بديع، وهو أحمد أمين، وحلمه العجيب، فى فيض الخاطر، ولكن محمد خلف بحس أدبى خلاق يعيد تشكيل الموضوعة والحلم، فيتناص مع موضوعة الحلم، وموضوعة الجنى الذى يخرج من المصباح، ليصنع المعجزات، وتكون المعجزة هذه المرة هى الاطلاع على خطط الغيب، وحين تتحقق المعجزة، يدرك أنه لا مفر من القدر، فلو أنك حاولت تغيير الخطة، التى اطلعت عليها بقدرة عفريت أو مارد، فإنك لن تستطيع أن تعرف ما سيؤول إليه الأمر مع الخطط البديلة التى ستخطها بيدك، وربما كان قدر الله فيما هو كائن، أخف وألطف من قدره فيما لو أتيحت لك فرصة اختيار خطة بديلة تتفادى بها ما اطلعت عليه من علم الغيب، أو هو بعبارة أخرى يعيد صياغة القول السائر (لو علمتم الغيب لاخترتم الواقع)، وتكثر استشهادات محمد خلف بنصوص القرآن الكريم فى مقالات الكتاب، على نحو يجعل من تبيانها فى سياق ما يقدمه من موضوعات منحى من مناحى إعادة الضوء إلى توجيهات المولى عز وجل فى بعض قضايا الواقع المختلفة التى يعالجها الكتاب.
وفى بعض المقالات يعتمد محمد خلف صيغة حوارية، أقرب إلى المفاخرات والمناظرات التى كتبها أحمد البربير ومحمد المبارك، فمن بين تلك المناظرات تلك التى جرت بين الحق والباطل، وهى مناظرة تدور حول سؤال مركزى هو لماذا ينتصر الباطل، وكيف يكون الحق سببا من أسباب انتصار الباطل عليه، وكيف يكون أهل الحق أحيانا أنصارا للباطل، وكيف يزين أهل الباطل مسلكهم لأنفسهم، وما أنواعهم، وكيف ينقسمون إلى طيبين وحمقى، ومغرضين.
هنا يقدم محمد خلف رؤيته لقضية الصراع بين مقولتى الحق الباطل بأسلوب حواري، لا يخلو من درامية، لا تقدم الفكرة بطريقة تقريرية مملة، ولكنه يعيد الضوء إلى ما ألفته العين، وما اعتاده العابرون، ليمنحهم فرصة للتأمل والتفكر، فى بعض المواقف التى تحتاج إلى إعادة التفكر والتأمل.
كتاب عودة الضوء جاء عنوانه وافيا، ووفيا بما وعد به قارئه، فقد قدم للقارئ المألوف والمعتاد، على نحو غير مألوف، وهذا هو الفن كما عرفه موكارفسكي، ولكنه يترك لقارئه أن يرى فيما أعيد إليه الضوء من موضوعاته الكثيرة أن يرى خلاف ما رآه كاتبه، وهو فى الحقيقة لم يلزم قارئه بشيء، ولم يحاول ذلك، بل على العكس من ذلك يغلب على الكتاب منهج المساءلة، والحض على التأمل والتفكر، وإعادة النظر، لعله يعيد الضوء إلى جوانب أخرى ما تزال معتمة.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







