خالد العجماوى
أرانى طفلا يلهو فى أرجاء البيت. أدرك أنها هلوسات نبهنى إليها طبيبى وهو يصف لى دوائى الجديد، قال إنه يجب أن أتوقف عن تناوله فور حدوثها، وأن علىَّ أن أراجعه وقتها لوصف عقار آخر. ولكنى صراحة سعيد بى، وأنا أرانى طفلا أمامى فى التاسعة، أمرح وأقفز، وأهدأ، وأتكوم فى سريرى. نعم هذا أنا الصغير ولن أخبر عنى أحدا ولو كانت زوجتى. لما قبلَتْنى كعادتها فى الصباح، وذهبت وتركتنى لتذهب إلى عملها بعد أن جهزت لى فطورى، ابتسمتُ لها وحييتُها وتمنيت لها التوفيق فى يومها، ولكنى وجدتنى متكوما على الأرض أمام الباب أبكى بحرقة، وأنا أتوسل لها ألا تتركنى وحيدا. لم تلحظنى. فقط فتحت الباب وخرجت فى هدوء. توجهتُ إلىَّ فى حنان، وربتُّ علىَّ فى عطف. رأيتُنى أرفع رأسى نحوى وأنا أنظر إلىَّ بعينين حمراوتين من أثر الدموع. لما هدأتُ حملتُنى فوق ساعدى، وقبلتُ وجنتى، وذهبتُ إلى المكتبة كى أبحث عن قصة أقرؤها تناسبنى فى هذه السن الصغيرة! أدهشتُنى وقد انقلب حالى من الحزن إلى الفرح، ومن الوحدة إلى الشعور بالونس.
وجدتُنى أخرج مجلة من سترتى. أجلستُنى على الأرض، وصرت أقرأ أنا الصغير لأنا الكبير مغامرات كسلان، وموزة، وبعض مقالات كتبها قراء صغار. ثم إنى توقفت فجأة، والتفتُ إلىَّ، وطلبت منِّى أن أرسل إلى المجلة قصة كتبتُها كى ينشروها هناك. التمعت عيناى الصغيرتان وأنا أردد: أحلم أن أرى قصتى مطبوعة! قلتُ لى: «سأفعل.. فقط اكتب قصة وسوف أرسلها إلى المجلة لينشروها فورا».
فرحت جدا، وقبلتُنى فى وجنتى، وصرنا أصدقاء حقيقيين.
عادت زوجتى فى موعدها، وكلمتنى كعادتها عن هذه وتلك، وظروف العمل، وخبث الزملاء ومكائدهم، ولم تنسَ أن تحسدنى لخروجى على المعاش بعد بلوغى الستين، ثم سألتنى فجأة: «ما هذه المجلات التى وجدتها على الطاولة. مجلات أطفال!»
«كنت أبحث عن كتاب ووجدتها صدفة. لا تهتمى. سأضعها فى مكانها».
لم تُبدِ اقتناعا، بيد أنى لمحتُنى منزويا فى ركن الغرفة أنظر إلى كلينا فى ترقب، وأنا ألعب بأناملى مصارعة الأصابع.
لما ذهبت زوجتى فى الصباح التالى، وتركَتْنا وحدنا استكملنا قراءاتنا. لاحظت ربطة حذائى المتدلية من جانبيه، ربطتُها فى عناية كى لا أتعثر فيها وأنا أسير فى البيت. طلبتُ منى طلبا جديدا: «أريد قطة».
لم أستكن. قررت الخروج من البيت والذهاب لشراء قطة بيضاء شيرازى، بعينين زرقاوتين أو عسليتين. خطواتى بطيئة وضيقة، ويداى تهتزان بشكل ظاهر، ولكنى سعيد.
عادت زوجتى، ووضعت حقيبتها وهى تزفر ضيقا من ضوضاء الشارع، ومكائد البشر، ثم صرخت فزعا: قطة!
طلبت منها أن تهدأ، وأخبرتها أنى مَن أحضرها، وأنها تعلم منذ زمن أنى أحب القطط.
قالت ثائرة: تعلم أنى لا أحبها.
- أنا أحبها
- مر على زواجنا ٣٥ عاما دون قطة. ما الجديد؟
- أشعر بالوحدة.
نظرت إلىَّ فى ارتياب، وحدقت فىَّ غاضبة، وقالت:
- لست طبيعيا يا رجل!
ابتسمتُ لها، وابتسمتُ لى وأنا أرانى متكوما على الأرض ألعب بأناملى مصارعة الأصابع، وقطتى تموء وهى تتقافز من حولى.
لم أستطع أن أنام فى تلك الليلة، انسحبت من غرفتى فى هدوء وذهبتُ كى أرانى. كنت ألاعب قطتى على الأرض، وهى تموء وتلعق وجنتى. ضحكتُ لى وشاركتنى اللعب والمرح. انتصبت واقفا فجأة لأبدو فى طول المتر ونصف تقريبا، وأمسكت يدى الصغيرة كفى الكبير، وصاحبتنى لركن مظلم فى صالة البيت، وتلفّتُ برأسى الصغير حولنا حتى اطمأننت ألا أحد يرانا، ثم وجدتنى أخرج قصاصة صغيرة بدت من مجلة قديمة. كانت صورة غير واضحة لامرأة بشعر قصير، سقط ثوبها من كتفها الأيمن فبدا جزء من ثديها البض، وقد قصر عن ساقيها فكشف عن فخذيها. همس فمى الصغير فى أذنى الكبيرة: « أنت صديقى.. لذلك سمحت لك بمشاهدتها».
أووه.. نعم.. لا زلت أذكر تلك الصورة من مجلة الكواكب، أو ربما روز اليوسف. صورة بالأبيض والأسود لا تبدى كثيرا من ملامح المرأة تلك، ولكنها كانت أول من داعب فى نفسى الغريزة. كيف أجيبنى الآن؟! تماسكت، ونبهتُنى أنى لا زلت صغيرا على مثل تلك الأشياء، وأنه لا بد أن أستنفد وقتى فيما يفيد أكثر. نظرت عيناى الصغيرتان لعينى الكبيرتين فى استياء، وخبَّأتُ كفى الصغيرة القصاصة فى جيب سترتى فى عناية، وأشحتُ بوجهى الصغير وذهبت.
رجعت أنا إلى غرفة نومى بجانب زوجتى، وشعور بالندم ينتابنى أن ضايقتُنى أنا الطفل البرىء. ربما لم أبد تفهما، وكان يجب أن أستوعبنى أكثر. قررتُ أن أحاورنى فى الصباح حين تذهب زوجتى إلى العمل. سأصالحنى، وسنلاعب قطنا، وسنمرح سويا ونقضى وقتا جميلا.
لم تنتظر شمسنا كثيرا. مرت عقارب الدقائق والساعات فى رقصة دائرية على ساعة حائطنا سريعا، ثم سرعان ما قمتُ نشيطا مستقبلا يومى بوجهٍ باشٍّ.
بحثتُ عنى ولكنى لم أجدنى. أين أنت يا أنا؟ أطلقت صفيرا من بين شفتى علنى أظهر، ولكنى ظللت مختفيا على غير عادتى!
أين تراى ذهبت؟ هل خفت منى؟ أم خفت أن أخبر زوجتى بما رأيت البارحة فى سترتى؟ لا تخف يا أنا. نحن صديقان! فقط اظهر ولا تخف!
مرت الدقائق ولم أظهر. وبدأت نفسى تنزعج وتتذمر. استيقظت زوجتى ولاحظت حالى. نظرت إلىَّ مرتابة، ونظرت إليها بشىء من الغضب!
أنت السبب فى اختفائى. خاف منك الصغير، فأين تراه هرب؟
سألتنى متوجسة:
- أنت بخير؟
هززت رأسى دون إجابة. ولمحتها تلتقط حقيبتها وتخرج إلى عملها تماما فى موعدها.
لما صرت وحدى صرخت:
- أين أنت يا أنا؟
لم يجبنى سوى صمت مقيت. استلقيت على الأريكة وقد أرهقنى اليأس. لمحت ورقة مطوية فوق الطاولة تحت علبة دوائى. أخذتها بطرف أناملى المرتعشة، وفردتها وقرأت:
«صديقى العزيز..
أبلغتنى زوجتك بشكواك من وجود هلاوس وأوهام إثر استخدامك للعقار. أرجو أن تكون قد اختفت بعد أن أبدلته بهذا العقار الجديد.
تحياتى إليك».
تكومت على الأرض، وبكيت، واحمرت عيناى وأنا أتوسل لى أن أعود!

فانوس فوق المقطم
أصعب من الكتابة للكبار الأطفال كقراء قساة
جمال الغيطانى.. حامل سلام العابرين







