حريات

حق التفكير والسؤال

رفعت رشاد
رفعت رشاد


من أخطر الجرائم التى يواجهها مجتمع ما، جريمة التفكير!! منذ مائة عام أصدر طه حسين كتابه «فى الشعر الجاهلى»، طبق فيه مذهب الشك الذى قال به ديكارت. الكتاب يعيد فحص التراث الشعرى العربى السابق للإسلام باستخدام المنهج النقدى والتحليل التاريخى.

لم يتعامل طه حسين مع الشعر الجاهلى باعتباره حقيقة مسلمًا بها، تساءل: هل كل ما نسب إلى العصر الجاهلى قيل فعلًا قبل الإسلام؟ أم أن قسمًا كبيرًا منه وضع لاحقا فى العصرين الأموى والعباسى، لأسباب سياسية وقبلية ودينية؟


الفكرة فى حد ذاتها زلزال ثقافى ودينى، لأن الشعر الجاهلى كان سجل اللغة والتاريخ والأنساب وأداة أساسية لفهم القرآن. كان «حسين» يهز الأساس الذى تقوم عليه علوم اللغة والتفسير والتراث الإسلامى. لم يكن الأمر مجرد رأى فى النقد الأدبى، كان زلزالًا هز المجتمع واقترب من منطقة تعامل بوصفها يقينًا لا يجوز الاقتراب منه.

سلمت الثقافة العربية عبر قرون بالمأثور، بدا التراث كتلة واحدة متماسكة لا تحتمل السؤال. «حسين» جاء ليقول إن العقل ينبغى ألا يخضع إلا لمنهجه، وإن الشك ليس عدوًا للحقيقة، بل طريقها الأول.


القضية الأعمق استناد «حسين» إلى روح ديكارت القائمة على الشك المنهجى، بالتحرر من الموروثات والمسلمات ليعيد العقل فحصها. لكن العقل العربى الذى عاش قرونا طويلة فى ظل قداسة النقل، لم يقبل فكرة أن التراث نفسه يمكن أن يكون موضوعًا للفحص والنقد والتحليل التاريخي. 
زعزع الكتاب طريقة التفكير. الحقيقة لا تورث، والقدم لا يمنح الأفكار حصانة. صار الكتاب علامة فارقة، فتح الباب للنظر إلى التراث بوصفه مادة للبحث لا صنما للتقديس. بدأت الجامعات تتعرف بصورة أعمق إلى المناهج الحديثة. لم يعد السؤال جريمة.


كشف الكتاب هشاشة العلاقة بين المجتمع وحرية الفكر. الضجة التى أحاطت بالكتاب كانت تعبيرًا عن خوف عميق من اهتزاز اليقين. لهذا ظل الكتاب نصًا حيًا بسبب شجاعة كاتبه. عظمة «حسين» تكمن فى أنه لم يمنح الناس أجوبة نهائية، منحهم حق التفكير والسؤال.