وقت الحرب لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.. وفى وقت السلم لا صوت يعلو فوق صوت الأسرة، فهى عماد المجتمع وعمود الخيمة وأساسها الراسخ الذى إذا اهتز فقل على الدنيا السلام.
ما يحدث من تراشق على مواقع التواصل الاجتماعى هذه الأيام مع دخول قانون الأسرة الجديد تحت قبة البرلمان يذكرنا بمقولة شهيرة فى أحد أفلام الموسيقار الكبير الراحل فريد الأطرش: الأستاذ موجود؟ أيوه يا هانم «الزمبليطة فى الصالون».. والزمبلطية فى اللغة تعنى تداخل الأصوات بحيث لا يفهم أحدٌ الآخر ويبقى الجميع فى حالة دوشة كدابة مثل عبيشة الدجاج وهو ما يحدث من أصوات وتدافع الدجاج نحو الطعام مع فتح القفص فى الصباح.
سؤال برىء: لماذا تترك الحكومة هذا الأمر على المشاع وعليها أن تنشر مشروع القانون كاملًا على الرأى العام فى شكل حوار مجتمعى كبير وشامل بحيث تصل لنواب الشعب الموقرين كل الأبعاد والثغرات التى يجب تلافيها لتمرير قانون متوازن يرتب حياة الناس ويؤسس لمستقبل الأسرة الذى أصبح فى خبر كان بفعل التغيرات الاجتماعية المتلاحقة التى أفرزتها ثورة المعلومات والاتصالات؟
لا أدرى لماذا الاستعجال فى إقرار قانون ينظم أحوال الأسرة التى نالها ما نالها بفعل تغول الناشطين والناشطات وكل لهدف فى نفسه ولا عزاء للمجتمع.
طرح مشروع القانون لحوار مجتمعى واسع وشامل أمر مطلوب وضرورى، والحكم هنا يكون للجنة تغطى جميع الأطراف ومجموعة من المختصين فى علم النفس والاجتماع والاقتصاد والقانون ورجال الدين وشخصيات عامة بحيث يخرج القانون بقدر الإمكان «خالى من العيوب يا قصب» وفق المأثور الشعبى الشهير.
القانون يستهدف استقرار الأسرة والحد من معدلات الطلاق المرتفعة ووضع أفضل السبل لحماية الأطفال نتاج الطلاق.. وهذا البعد على جانب كبير من الأهمية إن لم يكن فى مقدمة الأولويات.
عدم نشر مواد مشروع القانون كاملة يجعلنا أمام معلومات مغلوطة تزيد الاحتقان بين «هو وهى» بل وتؤجج شعور المظلومية وقد لا تكون تلك المعلومات صحيحة من الأساس بل وتدخل تحت بند الافتكاسات أو فقاعات لقياس ردود الأفعال.. والأمثلة كثيرة.. أبرزها الطلاق المبكر.. والإذن الكتابى من الزوجة قبل الزواج الثانى.. وقروض الزوجة، والجدل حول الحضانة ومدتها.
الزوجة أول من يعلم
ما يُتداول أن مشروع القانون يقضى بضرورة وجود إذن كتابى من الزوجة ليستطيع الرجل الزواج من ثانية رسميًا.. وهذا ضد المنطق والواقع.. فهل لرجل -حتى إذا كان سوبر مان عصره وأوانه- أن يطلب من زوجته إذنًا كتابيًا ليتزوج عليها؟! إنه يفتح النار على نفسه ونطلب له قراءة الفاتحة على روحه.. وثانيًا: لماذا يسلم رجل وهو بكامل قوته العقلية نفسه «تسليم أهالى» فقد يكون هذا الطلب الأول والأخير له فى أجندة الطلبات.. ولماذا تلك المخاطرة غير محسوبة العواقب وأمامه طرق أخرى، فهل هذا تصريح للرجل بالزواج العرفى أو المساكنة أو المرافقة وتلك كلها طرق غير مشروعة ولا يقرها الشرع وكذلك أعراف وتقاليد المجتمع؟!
نعم إخطار الزوجة بالزواج الثانى حق مشروع لها ومطبق بالفعل ويترك لها حرية الاختيار بين الاستمرار أو الطلاق.. وليس هناك ما يستدعى نظريًا وعمليًا حدوتة الإذن الكتابى، فهو يصلح فقط لحكايات ألف ليلة وليلة وعالم اليوتوبيا والخيال.
أيضًا من بين نقاط كثيرة أظنها من الافتكاسات.. حق الزوجة فى الاقتراض وإسناد الأمر بمطالبة الزوج بالسداد.. فالمنطق السليم يؤكد أن من اقترض ملزم بالسداد إلا إذا كان الزوج ضامنا للقرض وغير ذلك هراء لا يصدقه عقل.. وطريق ممهد لأى زوجة تريد الخلاص من زوجها أن تورطه فى قرض أو قرضين على طريقة «على أد ما يسدد بيحبك» وبالتالى تدفعه للحبس.
الأمر الآخر إلزام الرجل بوثيقة تأمين لصالح الزوجة مع عقد الزواج.. فلماذا نشترط الإلزام؟ ولماذا لا يترك لكلٍّ حسب مقدرته واستطاعته مع وضع اشتراطات محكمة لاستحقاقها للوثيقة كاستمرار العلاقة الزوجية أو ما فى حكمها وفق تقديرات رجال القانون؟ وكم من جرائم ارتُكبت للحصول على وثائق التأمين! فالنفس أمارة بالسوء ولا أحد يعلم الغيب غير الله سبحانه.
أما جدل الخلاف حول ترتيب الأب فى الحضانة فمن العدل جعله ثانيًا بعد الأم فى الحضانة، فهو راع ومسئول عن رعيته ولا خلاف على ذلك إلا إذا كان هناك سبب مثبت يجعل الأب غير مؤهل لذلك.. والحضانة سواء أكانت للأم السوية أو الأب السوى لا ضير فيها شريطة التعهد بالمسئولية عن الحضانة، فالحصول على حق يترتب عليه أدبيًا وقانونيًا الالتزام به وأن تكون رعاية الحاضن -الأم أو الأب- فعلية وليست عن طريق وسيط وهذا هو لب القضية.. ولا يهم هنا الخلاف حول سن الحضانة حال توافرت اشتراطات الرعاية الكاملة للمحضون، فرعاية الأب أو الأم لأولادهما لا تتقيد بسن بل لوصوله لدرجة الاعتمادية الكاملة على نفسه.. وهذا هو قانون الطبيعة التى جبَلنا الله تعالى عليها.
الطلاق المبكر
الافتكاسات كلها من جريرة عدم نشر مشروع القانون كاملًا على موقع رئاسة مجلس الوزراء.. ولعل أخطرها: ️حق الزوجة فى فسخ عقد زواجها قضائيا بعد 6 أشهر بما يُجهز على هدف مهم للقانون وهو تقليل حالات الطلاق.. والأسباب: إذا تبين لها أن الزوج ادعى لنفسه ما ليس فيه وتزوجته على ذلك، شريطة عدم وجود حمل أو إنجاب.
لحظة تفكير بسيطة.. لماذا اضطر لذلك فى ظل وجود الطلاق للضرر وهو لا يرتبط بمدة زواج بل لتقدير القاضى ما إذا كان الضرر واقعًا بالفعل أم أنه مجرد أوهام أو بغرض الخداع والتحايل؟
ثانيا: إذا أعطينا هذا الحق للزوجة فلماذا لا نعطيه أيضًا للرجل بفعل الآثار المعنوية لمثل قرار كهذا على الطرفين بما يشكل وصمة بأن أيًّا منهما معطوب ولا يصلح للزواج؟ وأليس هذا تقليلًا من شأن الرباط المقدس الذى تعنيه العلاقة الزوجية؟
لماذا لا نأخذ بنصيحة الحاج عبد الغفور البرعى فى مسلسل «لن أعيش فى جلباب أبى»: «لا تذم ولا تشكر إلا بعد سنة وستة أشهر».. فهل ستة أشهر كافية لإثبات أنه ادعى ما ليس فيه؟ هَبْ أنه مهندس بالفعل -على سبيل المثال- ولم يجد عملًا يناسب مؤهله وعمل كصنايعى هل نحتسبه مدلسًا ونجبره على الطلاق؟ على الأقل نعطيه الفرصة.. كما أن فترة الخطبة شُرعت ليتعرف الطرفان بصدق على بعضهما وليست فترة تسبيلة واتنين ليمون ونطفى النور على العيوب والأخطاء.
أليس ذلك بمثابة خسارة للجلد والسقط على الرجل الذى تكلف الكثير على الشبكة والمهر وقد يكون استدان مبالغ كبيرة فى تكاليف الزواج ويجد نفسه مطرودًا من عش الزوجية إلى طابور الغارمين؟ أليس فى مثل تلك الافتكاسة تمكين وتسهيل على خراب البيوت التى يستهدف القانون إعمارها أو على الأقل ترميمها؟
لا بد من وقف «الزمبليطة فى الصالون» الرائجة على مواقع التواصل الاجتماعى حول ذلك القانون البالغ الأهمية والبالغ الخطورة على استقرار هياكل المجتمع وذلك بالطريقة التى تراها الجهات المختصة حتى إذا تطلَّب الأمر حظر تداول معلومات عن هذا القانون لحين استكمال كل عناصره وصياغتها بدقة وروية لتحقيق الهدف الأسمى وهو استقرار الأسرة التى هى لبنة المجتمع.
أليس غريبًا علينا أن نعرف أن هناك نوعًا من التشاؤم بين أوساط الشباب «فتيات وأولادا» حول الإقدام على الزواج.. التشاؤم لم يصل بعدُ لدى الأغلبية لمرحلة العزوف عن مؤسسة الزواج والدخول فى ساحات أخرى لم نألفها ولا ترتضيها قيمنا وتقاليدنا كبديل للزواج.
نقطة نظام
بلا تهوين ولا تهويل من خطورة المشكلة وأهمية تلك القضية لنكن جميعا على قدر المسئولية فيما نقول ونقرر، فالهدم أهون الطرق للخراب بينما البناء أصعب كونه يعنى القوة والاستقرار والأمن.. والخلاصة: حقوق المجتمع مقدمة على حقوق الأفراد أو فئة دون أخرى، لذا بلاها افتكاسات أو تعصب للمرأة أو الرجل «هى أو هو» فهناك عنصر غائب لا يستطيع الدفاع عن نفسه يتمثل فى «هم» أو «هن» من الأطفال ضحايا التفكك الأسرى.
فى قضية كهذه.. لتقلْ خيرًا أو لتصمُتْ، فإذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب وكل المعادن الثمينة.

حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين
سفارى قتل البشر







