تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا أحد أخطر اختباراتها منذ نهاية الحرب الباردة، وفى قلب هذا التوتر يقف الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الذى كشفت تهديداته الأخيرة بسحب القوات الأمريكية من دول حليفة رئيسية فى الناتو بما فيها إيطاليا وإسبانيا عن انقسامات عميقة داخل التحالف عبر الأطلسى وتأتى هذه التطورات فى خضم الحرب الأمريكية الإسرائيلية المستمرة ضد إيران، وهو صراع لم يزعزع استقرار الشرق الأوسط فحسب، بل أدى أيضًا إلى أزمة استراتيجية وسياسية فى جميع أنحاء أوروبا. وما كان فى السابق شراكة مستقرة قائمة على الدفاع المشترك بات اليوم يتسم بانعدام الثقة، واختلاف الأولويات، وتضارب الرؤى حول النظام العالمى.
جاءت الشرارة المباشرة للتوتر الحالى من تصعيد ترامب لخطابه ضد الحلفاء الأوروبيين، متهمًا إياهم بالتقاعس عن دعم الجهود الأمريكية فى الصراع الإيرانى، لاسيما فى تأمين مضيق هرمز. وتشير التقـارير إلى أن إيطـاليا وإسـبانيا قــاومتا الطـلبات العسكرية الأمريكية؛ فقد رفضت روما استخدام قواعد جوية رئيسية لعمليات مرتبطة بإيران، بينما رفضت مدريد السماح بالوصول إلى القواعد وعارضت أى تصعيد أوسع، وفقًا لصحيفة االجارديانب البريطانية.
وردًا على ذلك شكّك ترامب علنًا فى جدوى الإبقاء على القوات الأمريكية فى هذه الدول، مصرحًا بأنه اربماب سينظر فى سحبها، متسائلًا: الماذا لا أفعل؟ب. وبحسب ما ذكرته صحيفة The Times of India فإن هذه الصياغة الصريحة والنفعية للتحالفات تمثل استمرارًا، بل وتفاقمًا، لتشكيكه القديم تجاه حلف الناتو.
وترى الـاالجارديانب أن الخلاف تعمّق أكثر مع القرار المؤكد بسحب نحو 5000 جندى أمريكى من ألمانيا، أكبر مركز للتواجد العسكرى الأمريكى فى أوروبا، وقد تم تفسير هذه الخطوة - المتوقع أن تستغرق من ستة إلى اثنى عشر شهرًا - على نطاق واسع على أنها إعادة تقييم استراتيجية ورسالة سياسية موجهة إلى القادة الأوروبيين.
ويكمن السياق الأوسع لهذا الخلاف عبر الأطلسى فى الحرب المستمرة مع إيران، والتى تدخل شهرها الثالث، وقد انتقدت الحكومات الأوروبية علنًا الحملة العسكـريــة الأمريكـــيــة الإسرائيلـيـــة، حـــيـث وصـــف المستشار الألمانى افريدريش ميرزب تعامل واشنطن مع الصراع بأنه اإهانةب، وهذا الانتقاد لم يكن مجرد خطاب سياسى، بل تُرجم إلى مواقف عملية، حيث امتنعت الدول الأوروبية عن تقديم دعم عسكرى أو لوجستى، خاصة فيما يتعلق بالانتشار البحرى فى الخليج، وبالنسبة لإدارة ترامب يعد هذا الموقف فشلًا فى التضامن داخل التحالف، أما بالنسبة للقادة الأوروبيين فهو انعكاس لمخاوف عميقة بشأن شرعية الحرب ومخاطرها ونتائجها طويلة المدى. والنتيجة اتساع الفجوة الاستراتيجية بين الطرفين، ففى حين تركز الولايات المتحدة على الردع وإظهار القوة تميل أوروبا بشكل متزايد إلى الحذر والدبلوماسية وتجنب التصعيد، وهذه الفجوة ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحًا مع حرب إيران.
وعلى المستوى المؤسسى تمثل هذه الأزمة تحديًا مباشرًا لحلف الناتو، فعلى مدى عقود، اعتمد الحلف بشكل كبير على القيادة العسكرية الأمريكية ووجودها فى أوروبا، وتشكل القواعد الأمريكية فى ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا مراكز حيوية للعمليات اللوجستية وتبادل المعلومات والانتشار السريع.
وقد أثار قرار سحب القوات من ألمانيا - والذى يمثل نحو سُبع القوات الأمريكية هناك - مخاوف واسعة داخل الحلف، وفقًا لوكالة ارويترزب، وقد طلب مسئولو الناتو توضيحات من واشنطن، مؤكدين ضرورة الحفاظ على قدرة الردع والتنسيق.
ويرى منتقدون أن تقليص الوجود العسكرى الأمريكى قد يضعف قدرة الناتو على الاستجابة للتهديدات، خاصة من روسيا، كما حذر مشرعون أمريكيون من الحزبين من أن هذه الخطوة قد تقوض الردع وتبعث برسائل خاطئة للخصوم، وفى المقابل يرى بعض المسئولين الأوروبيين أن هذه الخطوة بمثابة جرس إنذار، فقد أقر مسئولون ألمان بأن الانسحاب يعكس الحاجة إلى أن تتحمل أوروبا مسئولية أكبر عن أمنها.
لطالما كان مفهوم االاستقلال الاستراتيجى الأوروبىب مطروحًا للنقاش، خاصة من قِبل دول مثل فرنسا وألمانيا، لكنه ظل فى الغالب فكرة نظرية أكثر منه واقعًا عمليًا، غير أن خطوات ترامب الأخيرة قد تغيّر هذا الواقع. فمع وجود نحو 68 ألف جندى أمريكى فى أوروبا حتى أواخر عام 2025 - منهم 36 ألفًا فى ألمانيا وحدها - لا تزال القارة تعتمد بشكل كبير على القدرات العسكرية الأمريكية، لكن هذا الاعتماد بات يُنظر إليه بشكل متزايد على أنه نقطة ضعف. ويواجه صانعو القرار الأوروبيون الآن سؤالًا صعبًا؛ هل يمكنهم بناء منظومة دفاع مستقلة وفعالة؟ التحديات كبيرة، إذ لا يزال الإنفاق العسكرى غير متوازن، والصناعات الدفاعية مجزأة، والتوافق السياسى محدودا، كما أن دول أوروبا الشرقية، القريبة من روسيا تفضل استمرار الدور الأمريكى القوى بدلًا من الاستقلال. ومع ذلك قد تدفع الأزمة الحالية نحو تسريع جهود التكامل الدفاعى وزيادة الإنفاق العسكرى، مما قد يعزز استقلال أوروبا على المدى الطويل.
وترى صحيفة اوول ستريت جورنالب الأمريكية أن التوترات لا تقتصر على القضايا الأمنية فقط، بل هى جزء من تدهور أوسع فى العلاقات الأمريكية - الأوروبية يشمل الخلافات التجارية والسياسية والتحولات الجيوسياسية، فقد زادت قرارات ترامب بفرض رسوم جمركية على السلع الأوروبية إلى جانب انتقاداته للقادة الأوروبيين من حدة الأزمة، ويرى محللون أن مسألة سحب القوات ليست سوى جزء من نمط أوسع من الضغط وإعادة تعريف العلاقة مع الحلفاء.
فى الوقت نفسه هناك مؤشرات على تغيرات فى التوازنات الدولية، بما فى ذلك تقارير عن تهدئة محتملة فى العلاقات بين واشنطن وموسكو، ما يثير قلقًا أوروبيًا إضافيًا بشأن موثوقية الالتزامات الأمريكية.
داخليًا تواجه سياسات ترامب أيضًا تدقيقًا، إذ تتطلب أى تخفيضات كبيرة فى القوات موافقة الكونجرس، مما يضيف عنصرًا من عدم اليقين بشأن تنفيذ هذه الخطط - بحسب ما ذكره موقع افوكس نيوزب الأمريكى - سيتوقف مصير التحالف عبر الأطلسى على عدة عوامل رئيسية، أولًا مسار الحرب مع إيران سيكون حاسمًا؛ استمرار الحرب قد يعمق الانقسامات، بينما قد تفتح التهدئة بابًا لإعادة بناء الثقة، وثانيًا ستلعب الديناميكيات السياسية الداخلية دورًا مهمًا، سواء فى الولايات المتحدة أو أوروبا، حيث يمكن لتغير القيادات أو توجهات الرأى العام أن يعيد تشكيل السياسات، وثالثًا سيكون رد الفعل الأوروبى عاملًا حاسمًا فإذا نجحت الدول الأوروبية فى تعزيز قدراتها الدفاعية وتنسيقها فقد تصبح أكثر استقلالًا وصلابة، أما إذا أخفقت، فقد يتجه التحالف نحو مزيد من التفكك.
اقرأ أيضا: «ترامب»: الحصار على إيران مستمر بالكامل دون أي تغيير
الكونجرس للبيع!.. التمويل الخفي يحكم انتخابات أمريكا
هدنة هشة فوق برميل بارود.. الشرق الأوسط على حافة الانفجار
معركة النفط.. حرب تكسير عظام بين أمريكا والصين







