لم تمر سوى ساعات قليلة على خرق الهدنة وتصاعد التوتر، حتى كانت الطائرة الرئاسية المصرية تشق السماء باتجاه الإمارات، فى تحرك بدا وكأنه رسالة سياسية مكتملة الأركان
زيارة الرئيس السيسى إلى أبوظبى خطوة استراتيجية محسوبة بـدقة، حملت فى توقيتها ومضمونها رسائل سياسية وأمنية متعددة المستويات
القاهرة بالنسبة للإمارات أكثر من مجرد حليف سياسي و تمثل ركيزة الاستقرار العربي، بينما تحولت أبوظبى إلى شريك استراتيجى
فى الأزمات الكبرى، لا تُقاس المواقف بعدد البيانات الصادرة، ولا بحجم الكلمات المتدفقة فوق موائد الدبلوماسية، وإنما تُقاس بسرعة الحركة حين يشتد الخطر، وبالقدرة على تحويل التضامن من خطاب سياسى إلى فعل يحمل معنى الرسالة ووزن التاريخ. فهناك دائمًا عيون وآذان تراقب ما يجري، وتدوّن على جدران الزمن مَن وَقَفَ وقت العاصفة، ومَن اكتفى بالمشاهدة من خلف الزجاج.

ولأن اللحظات الصعبة تكشف المعدن الحقيقى للدول، فقد جاءت الساعات التالية للاعتداء الإيرانى الغادر على الإمارات الشقيقة كاشفة لعمق العلاقة بين القاهرة وأبوظبي، ومؤكدة أن ما يجمع البلدين تجاوز منذ سنوات طويلة حدود المصالح التقليدية، ليصبح شراكة مصير صاغتها الثقة المتبادلة، ورسختها اختبارات السياسة والأمن والتاريخ.
التحرك .. رسالة سياسية
لم تمر سوى ساعات قليلة على خرق الهدنة وتصاعد التوتر، حتى كانت الطائرة الرئاسية المصرية تشق السماء باتجاه الإمارات، فى تحرك بدا وكأنه رسالة سياسية مكتملة الأركان، أرادت القاهرة من خلالها أن تقول للمنطقة والعالم إن أمن الخليج ليس قضية بعيدة عن مصر مهما كانت الظروف والتحديات، وإن استقرار الإمارات جزء أصيل من منظومة الأمن القومى العربي.
تدرك القاهرة جيدًا أن المنطقة تقف اليوم على حافة مرحلة شديدة الخطورة، وأن لحظات التهديد الكبرى لا تحتمل الحسابات الباردة أو ترف الانتظار. ولهذا جاءت كلمات الرئيس عبد الفتاح السيسى حاسمة وقاطعة: «ما يمس الإمارات يمس مصر»، وهى عبارة لا تقبل التأويل ولا تحمل إلا معنى واحدًا؛ أن القاهرة تقف فى خندق واحد مع الإمارات ودول الخليج العربي، وأن أى محاولة للمساس بأمن الخليج ستُقرأ مصريًا باعتبارها تهديدًا مباشرًا للأمن القومى العربى بأكمله.
ولذلك كانت زيارة الرئيس السيسى إلى أبوظبى خطوة استراتيجية محسوبة بدقة، حملت فى توقيتها ومضمونها رسائل سياسية وأمنية متعددة المستويات، فحفاوة الاستقبال التى أظهرها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان عكست طبيعة العلاقة الخاصة التى تربط القيادتين، كما وجهت فى الوقت نفسه رسالة واضحة لكل من راهن على تفتيت الصف العربى أو إضعاف شبكة التحالفات العربية المعتدلة.
فالزيارة جاءت فى توقيت لا يحتمل الالتباس، بينما تتعرض الإمارات لتصعيد إيرانى ممنهج يستهدف زعزعة أمن الخليج واستقراره، الأمر الذى منح التحرك المصرى دلالة تتجاوز حدود التضامن السياسى التقليدي، ليصبح بمثابة إعلان صريح بأن القاهرة لن تسمح بفرض معادلات جديدة فى المنطقة تقوم على تهديد استقرار الدول العربية أو ممارسة الضغوط العسكرية عليها.
ثم جاءت جولة الزعيمين فى الأماكن العامة ومناطق التسوق بأبوظبى لتضيف بُعدًا رمزيًا بالغ الدلالة وقدمت رسالة طمأنة مدروسة للعالم وللداخل الإماراتى على حد سواء، كان تجولهما بحرية وثقة فى قلب العاصمة الإماراتية تعبيرًا عن استقرار الدولة وقدرتها على تجاوز الضغوط، كما بدا المشهد انعكاسًا لعلاقة بلغت مستوى متقدمًا من التنسيق والثقة السياسية، لا ينتظر رد الفعل بقدر ما يتحرك وفق رؤية استباقية تعيد تعريف مفهوم الأمن القومى العربي.
وحين نبحث عن جذور هذه العلاقة الفريدة بين القاهرة وأبوظبي، نجد أنها تمتد إلى عهد المؤسس الكبير زايد بن سلطان آل نهيان،- رحمه الله - ذلك القائد الفذ الذى رأى فى مصر قلب الأمة العربية النابض، وأدرك مبكرًا أن توازن المنطقة واستقرارها لا يمكن أن يتحققا فى غياب الدور المصري.
ففى أعقاب نكسة يونيو 1967، وقف الشيخ زايد إلى جوار مصر لا باعتبارها دولة شقيقة فقط، وإنما باعتبارها الركيزة الأساسية لاستعادة التوازن العربي. ثم جاء موقفه التاريخى خلال حرب أكتوبر 1973 ليؤكد عمق هذه القناعة، حين أعلن عبارته الشهيرة: «النفط العربى ليس أغلى من الدم العربي»، محولًا الدعم الإماراتى لمصر إلى موقف تاريخى محفور فى الذاكرة العربية.
ولم يتغير هذا النهج حتى فى أصعب اللحظات التى مرت بها المنطقة. فعقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وبينما اتجهت بعض العواصم العربية إلى مقاطعة مصر ومحاولة عزلها، رفض الشيخ زايد الانضمام إلى هذا المسار، وأصر على أن غياب القاهرة يمثل خسارة استراتيجية للعرب جميعًا، فى موقف جسّد معنى الوفاء السياسى والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى.
هذا الإرث التاريخى عاد ليتجسد بقوة بعد أحداث ثورة 30 يونيو، حين وقفت الإمارات إلى جانب الدولة المصرية فى واحدة من أخطر اللحظات التى واجهتها البلاد.
فقد أدركت أبوظبى أن استقرار مصر ليس شأنًا داخليًا يخص المصريين وحدهم، بل قضية ترتبط مباشرة بمستقبل المنطقة العربية كلها. ولذلك جاء الدعم الإماراتى سياسيًا واقتصاديًا واضحًا، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن سقوط الدولة الوطنية العربية يفتح الباب أمام الفوضى والتنظيمات المتطرفة ومشروعات الهيمنة الإقليمية.
وما نراه اليوم هو امتداد طبيعى لهذا المسار التاريخى الطويل. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، تشكلت داخل العقل الاستراتيجى العربى قناعة راسخة بأن مصر تمثل مركز الثقل الرئيسى فى النظام العربي. فالجغرافيا المصرية التى تربط بين البحرين الأحمر والمتوسط، وتتحكم فى أحد أهم الممرات البحرية العالمية عبر قناة السويس، إلى جانب ثقلها السكاني، وخبرتها العسكرية، وبنيتها المؤسسية، جعلت منها تاريخيًا «دولة التوازن» فى الشرق الأوسط.
ولهذا ارتبطت لحظات الصعود العربى الكبرى بحضور مصرى قوى وفاعل، بينما ارتبطت فترات الارتباك والتفكك الإقليمى بتراجع الدور المصرى أو انشغاله بأزماته الداخلية. ومن هنا تنظر دول الخليج إلى القاهرة باعتبارها الضمانة الاستراتيجية الأهم لاستقرار الإقليم العربي.
فدول الخليج، رغم ما تمتلكه من قوة اقتصادية ومالية هائلة، تدرك أن طبيعة التهديدات التى تواجه المنطقة ــ سواء كانت تهديدات عسكرية مباشرة، أو مشاريع نفوذ إقليمية، أو اختراقات أيديولوجية ــ تحتاج إلى دولة بحجم مصر، تمتلك القدرة على إعادة ضبط توازنات القوة ومنع انهيار النظام الإقليمي.
فالقاهرة ليست فقط صاحبة أكبر قوة عسكرية عربية تقليدية، لكنها أيضًا تمتلك خبرة متراكمة فى إدارة الأزمات، وشبكة علاقات دولية واسعة، وقدرة على الحركة السياسية تمنحها موقع «صمام الأمان» فى لحظات الاضطراب الكبرى.
ولذلك، فإن العلاقة بين مصر ودول الخليج لم تتأسس فقط على المصالح الاقتصادية أو حسابات الاستثمار والطاقة، وإنما على مفهوم أعمق يتعلق بوحدة الأمن الاستراتيجى العربي.
فالقاهرة تدرك أن أى تهديد لأمن الخليج ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن البحر الأحمر، وحركة التجارة الدولية، واستقرار أسواق الطاقة، ومن ثم على الأمن القومى المصرى نفسه.
وفى المقابل، تدرك العواصم الخليجية أن استقرار الدولة المصرية يمثل خط الدفاع الأول ضد سيناريوهات الفوضى الشاملة التى شهدتها المنطقة بعد عام 2011، وأن إنهاك مصر أو إضعافها كان سيعنى فتح المجال أمام إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق خرائط نفوذ إقليمية غير عربية.
ومن هنا يمكن فهم طبيعة التحالف المصرى الإماراتى باعتباره نموذجًا لعلاقة تجاوزت حدود التنسيق السياسى التقليدى إلى بناء رؤية مشتركة لطبيعة التهديدات التى تواجه المنطقة. فالبلدان تبنيا، خلال العقد الأخير، مقاربة قائمة على أولوية الحفاظ على الدولة الوطنية، ورفض تفكيك الجيوش والمؤسسات، ومواجهة التنظيمات العابرة للحدود مثل تنظيم الإخوان الإرهابي، والتصدى لمحاولات استخدام الفوضى كأداة لإعادة رسم خرائط النفوذ فى الشرق الأوسط.
مصر والإمارات ركيزة الاستقرار
ولهذا أصبحت القاهرة بالنسبة للإمارات أكثر من مجرد حليف سياسي؛ أصبحت تمثل ركيزة الاستقرار العربي، بينما تحولت أبوظبى إلى شريك استراتيجى يدرك أن حماية النظام الإقليمى تبدأ من دعم الدولة المصرية وتعزيز قدرتها على البقاء والتأثير.
لن تمر زيارة الرئيس السيسى إلى الإمارات دون تداعيات استراتيجية عميقة، لأنها تؤكد بوضوح أن العلاقات المصرية الإماراتية لم تعد مجرد شراكة سياسية أو اقتصادية، بل أصبحت جزءًا أصيلاً من معادلة الأمن القومى العربي، وحائط صد إقليميًا فى مواجهة الفوضى والتهديدات العابرة للحدود.
ومن يراقب تطور العلاقات بين البلدين خلال السنوات الأخيرة يدرك أن التنسيق المصرى الإماراتي، إلى جانب علاقة الثقة والصداقة التى تربط الرئيس السيسى بالشيخ محمد بن زايد، أصبح أحد أهم عوامل الاتزان السياسى والأمنى فى المنطقة، وضمانة لاستمرار المواقف العربية المشتركة فى مواجهة التحديات المتسارعة، ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول الإمارات، على مدار عقود، إلى شريك رئيسى فى دعم المشروعات التنموية داخل مصر، سواء عبر الاستثمارات الكبرى أو المشروعات الاستراتيجية، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن استقرار مصر ونموها يمثلان ضمانة لاستقرار المنطقة بأسرها.
وهكذا تبدو العلاقات المصرية الإماراتية اليوم أكثر رسوخًا من أى وقت مضى؛ علاقة صنعتها الحكمة التاريخية للشيخ زايد، ورسختها سنوات التنسيق والثقة، وتدعمها الآن قيادة تدرك أن زمن العواطف العابرة قد انتهى، وأن المنطقة لا تحتاج إلى شعارات جديدة بقدر ما تحتاج إلى تحالفات صلبة تحمى الدولة الوطنية وتحافظ على توازن الإقليم.
تكتب زيارة الرئيس السيسى إلى الإمارات بعد ساعات من القصف الإيرانى الغادر فصلًا جديدًا فى كتاب العلاقات العربية الأصيلة، ونقشًا مصريًا جديدًا على جدار الأخوة العربية، وإعلانًا واضحًا بأن المنطقة لا تزال قادرة على إنتاج نموذج مختلف فى التضامن السياسى الحقيقي.
وفى زمن تتكاثر فيه الأزمات وتتشظى فيه الخرائط، يبقى التحالف المصرى الإماراتى أحد الثوابت القليلة التى يمكن البناء عليها لحماية مستقبل الأمن القومى العربى واستعادة قدر من التوازن فى شرق أوسط تتغير ملامحه كل يوم.

نوال مصطفى تكتب: صباح الأحد
التغيير للأفضل
المركز الطبى العالمى







